Arabic English French German Italian Spanish

التدين: قصور فهم أم قصور آداء

ذات مرة دخلت في حوار مع أخٍ يبدو في ظاهره التدين والالتزام سائلاً إيّاهُ عن سبب تخلّف الأمة وتأخرها عن ركب الحضارة والنهضة، فأجابني بأنّ العامل الجوهري في ما آلت إليه الأمة هو تضييعها للدين معلّلا لذلك بحوادث وأخطاء فرديّة يرتكبها بعضُ من ينتسبون للإسلام.

دفعتني إجابةُ صديقي هذه إلى مراقبة سلوكه ومعاينة تصرّفاته كي أعرف طريقة فهمه للإسلام، وإذا به هو بذاته يرتكب أخطاءً وحماقات بفهمه المُعوجّ للدين، فتارةً ينهش في عرض هذا ويشتمه وتارةً يهجر ذاك ويزايُد على إيمانه وعقيدته منطلقاً في كل أفعاله من تفسير خاطئ لنصوص الدين وفهمٍ قاصر لمعانيه ومقاصده.

بعْد ذلك سألتني نفسي قائلةً: هل إشكاليتنا كمجتمعات مسلمة مع التديّن تنطلق من قصور فهم وتفسير أم تقصير إنجاز وآداءٍ؟.

ومنذ ذلك اليوم حدث أن تغيّرت طريقةُ فهمي للإسلام بعد أن أتعبتُ نفسي قليلاً في قراءة تفسيرات السابقين وإحاطتهم بالإسلام بنظْرة شموليّة كاملة دون أن تطْغى تفاصيله وفروعه على أحكامه وأصوله لتتأثّر بذلك مجموع السلوكيات والتصرّفات، فأدركت بأن الإسلام أكبرُ من أن تطغى جزئياته الدّقيقة على قيمه الرّاسخة ومبادئه العميقة.

ولذا فما أعتقده اليوم بأن إصابة الأمّة اليوم تكاد تنحصر في سببين رئيسيين ينبني أحدهما على الآخر، وهما: فهم الدّين بمقاصده وأحكامه كخطوة أولى تتبعها مرحلة الآداء والتصرّف كمرحلة ثانية، فالفهم قبل التصرّف لأنه كما هو معلومٌ بأنّ سلوك الإنسان هو انعكاس لأفكاره ومشاعره.

فمقصود الفهم هنا هو فهم الدين باعتباره تعاليماً هاديةً للحق وموجّهة للخير من جهة، وفهم للواقع من جهةٍ أخرى باعتباره هو الموضع المبتغى إصلاحه وإبعاد العطب والخلل عنه. فلا أثر للفهم إلا إذا انبنى على ركنين أصيلين للفهم هما: فهم الدّين، وفهمُ الواقع.

أما مقصود الإنجاز هنا فهو التطبيق الفعلي لأحكام الدين وتفعيل مقاصده، وبالتالي فهو انتقال التدّين من حالة الفهم والتصوّر لأحكام الإسلام وشعائره إلى سلوكيات وتصرفات منضبطة بفهمٍ دقيق للدين وللواقع.

لهذا فإني أعتقد بأن تقصيرنا في تطبيق الدين وجعله واقعاً حياتياً ينطلق من قصورنا في فهم أحكامه وعدم إدراكنا لمقاصده وغاياته، فإذا انتهى قصورنا في فهمه سينتهي تقصيرنا في تطبيقه وآدائه لامحالة.

ولذا كانت مرتبةُ الفهم عند علماء المقاصد تسبقُ الإخلاص والعمل يا صديقي المتديّن.

ياسين الخطاب

30 تشرين2 2014 0 comment
(0 أصوات)
التدين: قصور فهم أم قصور آداء

ذات مرة دخلت في حوار مع أخٍ يبدو في ظاهره التدين والالتزام سائلاً إيّاهُ عن سبب تخلّف الأمة وتأخرها عن ركب الحضارة والنهضة، فأجابني بأنّ العامل الجوهري في ما آلت إليه الأمة هو تضييعها للدين معلّلا لذلك بحوادث وأخطاء فرديّة يرتكبها بعضُ من ينتسبون للإسلام.

دفعتني إجابةُ صديقي هذه إلى مراقبة سلوكه ومعاينة تصرّفاته كي أعرف طريقة فهمه للإسلام، وإذا به هو بذاته يرتكب أخطاءً وحماقات بفهمه المُعوجّ للدين، فتارةً ينهش في عرض هذا ويشتمه وتارةً يهجر ذاك ويزايُد على إيمانه وعقيدته منطلقاً في كل أفعاله من تفسير خاطئ لنصوص الدين وفهمٍ قاصر لمعانيه ومقاصده.

بعْد ذلك سألتني نفسي قائلةً: هل إشكاليتنا كمجتمعات مسلمة مع التديّن تنطلق من قصور فهم وتفسير أم تقصير إنجاز وآداءٍ؟.

ومنذ ذلك اليوم حدث أن تغيّرت طريقةُ فهمي للإسلام بعد أن أتعبتُ نفسي قليلاً في قراءة تفسيرات السابقين وإحاطتهم بالإسلام بنظْرة شموليّة كاملة دون أن تطْغى تفاصيله وفروعه على أحكامه وأصوله لتتأثّر بذلك مجموع السلوكيات والتصرّفات، فأدركت بأن الإسلام أكبرُ من أن تطغى جزئياته الدّقيقة على قيمه الرّاسخة ومبادئه العميقة.

ولذا فما أعتقده اليوم بأن إصابة الأمّة اليوم تكاد تنحصر في سببين رئيسيين ينبني أحدهما على الآخر، وهما: فهم الدّين بمقاصده وأحكامه كخطوة أولى تتبعها مرحلة الآداء والتصرّف كمرحلة ثانية، فالفهم قبل التصرّف لأنه كما هو معلومٌ بأنّ سلوك الإنسان هو انعكاس لأفكاره ومشاعره.

فمقصود الفهم هنا هو فهم الدين باعتباره تعاليماً هاديةً للحق وموجّهة للخير من جهة، وفهم للواقع من جهةٍ أخرى باعتباره هو الموضع المبتغى إصلاحه وإبعاد العطب والخلل عنه. فلا أثر للفهم إلا إذا انبنى على ركنين أصيلين للفهم هما: فهم الدّين، وفهمُ الواقع.

أما مقصود الإنجاز هنا فهو التطبيق الفعلي لأحكام الدين وتفعيل مقاصده، وبالتالي فهو انتقال التدّين من حالة الفهم والتصوّر لأحكام الإسلام وشعائره إلى سلوكيات وتصرفات منضبطة بفهمٍ دقيق للدين وللواقع.

لهذا فإني أعتقد بأن تقصيرنا في تطبيق الدين وجعله واقعاً حياتياً ينطلق من قصورنا في فهم أحكامه وعدم إدراكنا لمقاصده وغاياته، فإذا انتهى قصورنا في فهمه سينتهي تقصيرنا في تطبيقه وآدائه لامحالة.

ولذا كانت مرتبةُ الفهم عند علماء المقاصد تسبقُ الإخلاص والعمل يا صديقي المتديّن.

ياسين الخطاب

رأيك في الموضوع