Arabic English French German Italian Spanish

مجلس النواب بين شرعية الانتخاب وعبثية الانعقاد وأزمة الثقة

شكلت انتخابات الخامس والعشرين من يوليو 2014 نقلةً نوعيةً في المشهد السياسي الليبي بعد سلسلة الاحتجاجات التي واجهت المؤتمر الوطني العام المؤسسة التشريعية والسيادية في الدولة الليبية منذ الثامن من أغسطس 2012.


هذه الانتخابات رغم ضعف الإقبال الذي شهدته حيث لم ترقَ نسبة المشاركة فيها عن 20 % من نسبة المشاركة في انتخابات المؤتمر الوطني العام إلا أنها قد وضعت حداً لجدلٍ استمر أكثر من خمسة أشهر حول شرعية استمرار المؤتمر الوطني العام في ممارسة مهامه بعد تاريخ السابع من فبراير 2014 حسب تفسيرات البعض لنصوص الإعلان الدستوري.


تم إجراء الانتخابات يوم الخامس والعشرين من يوليو وتم فرز النتائج وأعلن المؤتمر الوطني العام عن تاريخ الرابع من أغسطس موعداً لتسليم السلطة إلى مجلس النواب المنتخب، وحتى هذه المرحلة كانت الأمور تسيير وفق ما رسمته خارطة الطريق التي أعلنت عنها لجنة فبراير المشكلة من المؤتمر الوطني فيما يُعرف بمقترح لجنة فبراير الذي أدخل التعديل السابع على الإعلان الدستوري.


وقبل هذا التاريخ بأيام قليلة أعلن السيد أبوبكر بعيرة وهو أكبر أعضاء مجلس النواب سناً عن دعوة أعضاء المجلس إلى جلسة تشاورية في طبرق متخطياً بذلك نصوص الإعلان الدستور الذي نص على مدينة بنغازي كمقر دائم لمجلس النواب حسب التعديل السابع الذي اقترحته لجنة فبراير وأقره المؤتمر الوطني العام لينتقل وضع مجلس النواب من إجماع شرعية الانتخاب إلى جدل شرعية الانعقاد، خاصةً أن رئيس المؤتمر الوطني العام كان قد أصدر القرار 56 بتحديد مدينة طرابلس كمكان لجلسة التسلم والاستلام بين المؤتمر ومجلس النواب وكانت هذه الخطوة من جانب بعيرة أول أبواب الجدل الدستوري والقانوني حول المجلس وبداية معركة سياسية عسيرة لازالت تعصف بالبلاد حتى هذه الأيام.


انعقاد مجلس النواب في طبرق علاوة على مخالفته للإعلان الدستوري جعل المجلس مرتهناً لقوة عسكرية يقودها اللواء المتقاعد خليفة حفتر الذي اتخذ من طبرق مقراً لعمليته التي أسماها بالكرامة وهاجم من خلالها كتائب الثوار في بنغازي ووصفهم بالإرهابيين وهاجم أيضاً السلطة الشرعية السابقة المتمثلة بالمؤتمر الوطني العام حيث أعلن انقلاباً عسكرياً عليه خلال شهر فبراير 2014 مما جعل عملية الكرامة ترتبط بأذهان الليبيين بانقلاب عسكري على الشرعية المنتخبة وتعيد إلى ذاكرتهم ذكريات مؤلمة مرت بها ليبيا منذ انقلاب القذافي المشؤوم الذي كان حفتر أحد الضباط المشاركين فيه وزاد من عمق استنكار الليبيين لعملية الكرامة التي أعلنها حفتر ارتباط اسم هذا اللواء المتقاعد بمجازر حرب القذافي في تشاد مطلع ثمانينيات القرن المنصرم.


كل هذه المعطيات والمقدمات والوقائع التي ارتبطت بجلسة انعقاد مجلس النواب في طبرق جعلت انعقاده يرتبط في أذهان الكثير من الليبيين بالانقلاب على ثورة فبراير واصطفافه في صف الثورة المضادة التي يقودها رموز من النظام السابق مثلأحمد قذاف الدم الذي أعلن تأييده لعملية الكرامة ولانعقاد مجلس النواب في طبرق والكثيرين غيره من رموز النظام السابق بما فيهم أبناء القذافي المقيمين في المنفى.


هذه الأحداث انحرفت بمجلس النواب الذي امتلك شرعية الانتخاب إلى غياب شرعية الانعقاد بمخالفاته الدستورية وارتباطه برموز الثورة المضادة مما أجج مشاعر الخوف عند ثوار السابع عشر من فبراير من سرقة ثورتهم حيث كانت التجربة المصرية ماثلةً أمام الأنظار في تحول مسار الثورة ليعتليها الفلول ويعود نظلم مبارك المعزول ليرتقي سدة الحكم من جديد.


اجتمع مجلس النواب في طبرق في الوقت الذي كانت عملية فجر ليبيا قد انطلقت في طرابلس وبدأت في تحقيق نتائج ملموسة على الأرض في طريق القضاء على الجناح العسكري للثورة المضادة في الغرب المتمثل في لواء القعقاع والصواعق والمدني الذي كان يضم بين أفراده بقايا كتائب القذافي، وجاء هذا التزامن ليتحول الصراع بين الثورة والثورة المضادة من الخفاء إلى العلن فبينما كان في السابق صراعاً خفياً تجري جولاته تحت قبة المؤتمر الوطني العام، أصبح في هذه الفترة صراعاً صريحاً علنياً يتمثل في جناحه العسكري بين عملية فجر ليبيا ومجلس شورى ثوار بنغازي من جهة ولواء القعقاع والصواعق وقوات حفتر من جهة أخرى .. وبينما حافظ تيار الثورة المضادة على جناحه السياسي كان تيار الثورة يفتقد إلى هذا الجناح.


حتى هذه المرحلة كان مجلس النواب يعاني غياب شرعية الانعقاد ونقص الحضور بتغيب الكثير من النواب الذين عارضوا انعقاده في طبرق ولكن القائمين على هذا المجلس وعوضاً عن السعي لتقريب وجهات النظر توغلوا في سياسة المواجهة والمغالبة ليتعمق الشرخ ويزداد التفرق فعملوا على إصدار جملةٍ من القرارات غير المسؤولة التي جعلت المجلس يعاني من ثالثة الآثافي.


أزمة الثقة كانت هي المرحلة التالية لما مر به مجلس النواب من تعثر ووقوع في حبائل الاستقطاب والانقسام وجاءت هذه المرحلة بعد أن أصدر مجلس النواب قراراً بطلب التدخل العسكري الأجنبي لضرب قوات الثوار في بنغازي والعاصمة ثم أردفه بأكثر القرارات رعونة وعنجهية عندما أعلن أن قوات فجر ليبيا وهي القوات التي تمثل معظم الكتائب المسلحة للثوار في ليبيا وتمتلك أكثر من 90 % من القوة العسكرية في البلاد أعلنها كمجموعات إرهابية وطالب المجتمع الدولي بضربها ومساعدة قوات الجيش الوطني التي قصد بها قوات المتمرد حفتر في معركته ضدها.


هذا القرار كان بمثابة رصاصة الانتحار التي أطلقها البرلمان على نفسه فقد خرجت الآلاف في أكبر المدن الليبية في الغرب والشرق للتنديد بهذه القرارات الرعناء وللمطالبة بسحب الثقة من مجلس النواب وإسقاطه وطالبوا بعودة المؤتمر الوطني العام لممارسة مهامه وتشكيل حكومة إنقاذ وطني.


في هذه المرحلة دخل مجلس النواب مرحلة أزمة الثقة وأصبح وهو المجلس المنتخب بطريقة شرعية يعاني من أزمة انعقاد بعد أن تسرب الكثير من أعضائه الذين حضروا الجلسات الأولى في طبرق مستنكرين إصدار هذه القرارات المتطرفة وأزمة سحب ثقة الشارع الليبي منه بعد أن أصدر هذه القرارات التي تفرط في السيادة الوطنية وتفتح الأبواب أمام الأجنبي لاحتلال البلاد وممارسة سيطرته عليها.


لقد طالبت المظاهرات الشعبية بعد هذه القرارات بمحاكمة النواب الذين وافقوا على قرار التدخل الأجنبي بتهمة الخيانة العظمى واعتبروا عملهم هذا عملاً إجرامياً يُسقط شرعية انتخابهم ويلغي أحقيتهم في عضوية مجلس النواب.


وبعد اجتماع المؤتمر الوطني العام بطلب من ثوار عملية فجر ليبيا وبضغط من الشارع وتكليفه للسيد عمر الحاسي رئيساً لحكومة إنقاذٍ وطني أدت اليمين الدستورية منذ أيام قليلة أصبح موقف مجلس طبرق حرجاً وحساساً خاصةً بعد سياسة التعتيم التي انتهجها حول جلساته وعدد الحاضرين فيها وورود أنباء مؤكدة عن عدم تحقق النصاب اللازم لعقد الجلسات وأصبح المجلس يضرب على وتر الاعتراف الدولي والتدخل الأجنبي لحفظ ماء وجهه وللتشبث بأحقيته في ممارسة شرعيته.


كان للهجمات التي شنها الطيران الإماراتي بمساعدةٍ مصرية الأثر البالغ في سحب ثقة الشارع الليبي من مجلس طبرق وأصبح أمر قبوله كجهة مسؤولة عن أمن البلاد واستقرارها أمر يكاد يكون مستحيلاً.


في ظل هذه الظروف الصعبة التي تحيط بواقع مجلس النواب المجتمع في طبرق يواصل المؤتمر الوطني العام ممارسة مهامه وتبدأ الحكومة التي شكلها في تسيير دفة الأمور في البلاد تحت سيطرة شبه كاملة لهذه الحكومة على معظم الأراضي الليبية يقابله سيطرة محدودة لمجلس طبرق وحكومته التي لم تتشكل بعد.


ومع محاولة بعض الأطراف الدولية مساعدة مجلس طبرق لاستعادة شرعيته المفقودة واسترجاع ثقة الليبيين فيه عن طريق الضغط السياسي والدبلوماسي الذي تجلى واضحاً في زيارة سفراء ومندوبي هذه الدول إلا أن الإجراءات التي اتخذها مجلس طبرق قد قطعت عليه خط الرجعة وتركته معزولاً وسط بحر متلاطم الأمواج لن يفيده فيه إلا فندقه العائم الذي يرسو على شواطئ طبرق.


لم يعد أمام مجلس طبرق من خيارات إلا المضي قُدماً في إغواء الحكومة المصرية لإقناعها للتدخل العسكري في ليبيا وترجيح كفة الجناح العسكري لمجلس طبرق وهذا ما فعله بالفعل في زيارة رئيس المجلس عقيلة صالح ورئيس أركانه عبدالرزاق الناظوري إلى مصر واستجداء واستعطاف المصريين للتدخل العسكري في ليبيا.


ولكن عبدالفتاح السيسي المنقلب على شرعية الانتخاب في مصر لازال متخوفاً من هذه المغامرة التي لم ينل موافقةً دوليةً عليها وهي مغامرةٌ غير مضمونة النتائج فمستنقع الحرب في ليبيا قد يقوّضأركان حكمه في مصر خاصةً مع استمرار الحرب التي واجهها في سيناء مع المجموعات المتطرفة.


وكمحصلة لما سبق فإن الخيارات تتناقص شيئاً فشيئاً أمام مجلس طبرق وقد توغلوا في مستنقع يصعب الخروج منه فباتت فرص النجاة ضئيلة والخيارات شحيحة والحلول المطروحة أحلاها أمر من العلقم.


في تقديري للأمورأن على مجلس طبرق أن يسارع إلى محاولة رأب الصدع مع نواب الممانعة الذين باتوا يشكلون أكثرية ويحاول أن يصحح مساره وفقاً للإعلان الدستوري ويعتبر كل الإجراءات التي اتخذها منذ تاريخ الثاني من أغسطس لاغيةً وغير ذات أثر.


كما أنه من المهم له أن يبتعد عن التجاذبات العسكرية والفكرية والقبلية والجهوية، ويقتنع أنه مجلس نواب لجميع الليبيين وليس لطائفةٍ دون أخرى فأسلوب المغالبة لن يجدي نفعاً ولن يزيده إلا فشلاً وتأخراً.


إذا استطاع المجلس القيام بهذه الخطوات تبقى أمامه مهمة عسيرة جداً يحتاج لحكمةٍ بالغةٍ لإتمامها وهي مهمة استعادة ثقة جموع الليبيين التي نزعتها منه.

 

 

بقلم: م.مروان علي الدرقاش

14 شباط 2015 0 comment
(1 تصويت)
مجلس النواب بين شرعية الانتخاب وعبثية الانعقاد وأزمة الثقة

شكلت انتخابات الخامس والعشرين من يوليو 2014 نقلةً نوعيةً في المشهد السياسي الليبي بعد سلسلة الاحتجاجات التي واجهت المؤتمر الوطني العام المؤسسة التشريعية والسيادية في الدولة الليبية منذ الثامن من أغسطس 2012.


هذه الانتخابات رغم ضعف الإقبال الذي شهدته حيث لم ترقَ نسبة المشاركة فيها عن 20 % من نسبة المشاركة في انتخابات المؤتمر الوطني العام إلا أنها قد وضعت حداً لجدلٍ استمر أكثر من خمسة أشهر حول شرعية استمرار المؤتمر الوطني العام في ممارسة مهامه بعد تاريخ السابع من فبراير 2014 حسب تفسيرات البعض لنصوص الإعلان الدستوري.


تم إجراء الانتخابات يوم الخامس والعشرين من يوليو وتم فرز النتائج وأعلن المؤتمر الوطني العام عن تاريخ الرابع من أغسطس موعداً لتسليم السلطة إلى مجلس النواب المنتخب، وحتى هذه المرحلة كانت الأمور تسيير وفق ما رسمته خارطة الطريق التي أعلنت عنها لجنة فبراير المشكلة من المؤتمر الوطني فيما يُعرف بمقترح لجنة فبراير الذي أدخل التعديل السابع على الإعلان الدستوري.


وقبل هذا التاريخ بأيام قليلة أعلن السيد أبوبكر بعيرة وهو أكبر أعضاء مجلس النواب سناً عن دعوة أعضاء المجلس إلى جلسة تشاورية في طبرق متخطياً بذلك نصوص الإعلان الدستور الذي نص على مدينة بنغازي كمقر دائم لمجلس النواب حسب التعديل السابع الذي اقترحته لجنة فبراير وأقره المؤتمر الوطني العام لينتقل وضع مجلس النواب من إجماع شرعية الانتخاب إلى جدل شرعية الانعقاد، خاصةً أن رئيس المؤتمر الوطني العام كان قد أصدر القرار 56 بتحديد مدينة طرابلس كمكان لجلسة التسلم والاستلام بين المؤتمر ومجلس النواب وكانت هذه الخطوة من جانب بعيرة أول أبواب الجدل الدستوري والقانوني حول المجلس وبداية معركة سياسية عسيرة لازالت تعصف بالبلاد حتى هذه الأيام.


انعقاد مجلس النواب في طبرق علاوة على مخالفته للإعلان الدستوري جعل المجلس مرتهناً لقوة عسكرية يقودها اللواء المتقاعد خليفة حفتر الذي اتخذ من طبرق مقراً لعمليته التي أسماها بالكرامة وهاجم من خلالها كتائب الثوار في بنغازي ووصفهم بالإرهابيين وهاجم أيضاً السلطة الشرعية السابقة المتمثلة بالمؤتمر الوطني العام حيث أعلن انقلاباً عسكرياً عليه خلال شهر فبراير 2014 مما جعل عملية الكرامة ترتبط بأذهان الليبيين بانقلاب عسكري على الشرعية المنتخبة وتعيد إلى ذاكرتهم ذكريات مؤلمة مرت بها ليبيا منذ انقلاب القذافي المشؤوم الذي كان حفتر أحد الضباط المشاركين فيه وزاد من عمق استنكار الليبيين لعملية الكرامة التي أعلنها حفتر ارتباط اسم هذا اللواء المتقاعد بمجازر حرب القذافي في تشاد مطلع ثمانينيات القرن المنصرم.


كل هذه المعطيات والمقدمات والوقائع التي ارتبطت بجلسة انعقاد مجلس النواب في طبرق جعلت انعقاده يرتبط في أذهان الكثير من الليبيين بالانقلاب على ثورة فبراير واصطفافه في صف الثورة المضادة التي يقودها رموز من النظام السابق مثلأحمد قذاف الدم الذي أعلن تأييده لعملية الكرامة ولانعقاد مجلس النواب في طبرق والكثيرين غيره من رموز النظام السابق بما فيهم أبناء القذافي المقيمين في المنفى.


هذه الأحداث انحرفت بمجلس النواب الذي امتلك شرعية الانتخاب إلى غياب شرعية الانعقاد بمخالفاته الدستورية وارتباطه برموز الثورة المضادة مما أجج مشاعر الخوف عند ثوار السابع عشر من فبراير من سرقة ثورتهم حيث كانت التجربة المصرية ماثلةً أمام الأنظار في تحول مسار الثورة ليعتليها الفلول ويعود نظلم مبارك المعزول ليرتقي سدة الحكم من جديد.


اجتمع مجلس النواب في طبرق في الوقت الذي كانت عملية فجر ليبيا قد انطلقت في طرابلس وبدأت في تحقيق نتائج ملموسة على الأرض في طريق القضاء على الجناح العسكري للثورة المضادة في الغرب المتمثل في لواء القعقاع والصواعق والمدني الذي كان يضم بين أفراده بقايا كتائب القذافي، وجاء هذا التزامن ليتحول الصراع بين الثورة والثورة المضادة من الخفاء إلى العلن فبينما كان في السابق صراعاً خفياً تجري جولاته تحت قبة المؤتمر الوطني العام، أصبح في هذه الفترة صراعاً صريحاً علنياً يتمثل في جناحه العسكري بين عملية فجر ليبيا ومجلس شورى ثوار بنغازي من جهة ولواء القعقاع والصواعق وقوات حفتر من جهة أخرى .. وبينما حافظ تيار الثورة المضادة على جناحه السياسي كان تيار الثورة يفتقد إلى هذا الجناح.


حتى هذه المرحلة كان مجلس النواب يعاني غياب شرعية الانعقاد ونقص الحضور بتغيب الكثير من النواب الذين عارضوا انعقاده في طبرق ولكن القائمين على هذا المجلس وعوضاً عن السعي لتقريب وجهات النظر توغلوا في سياسة المواجهة والمغالبة ليتعمق الشرخ ويزداد التفرق فعملوا على إصدار جملةٍ من القرارات غير المسؤولة التي جعلت المجلس يعاني من ثالثة الآثافي.


أزمة الثقة كانت هي المرحلة التالية لما مر به مجلس النواب من تعثر ووقوع في حبائل الاستقطاب والانقسام وجاءت هذه المرحلة بعد أن أصدر مجلس النواب قراراً بطلب التدخل العسكري الأجنبي لضرب قوات الثوار في بنغازي والعاصمة ثم أردفه بأكثر القرارات رعونة وعنجهية عندما أعلن أن قوات فجر ليبيا وهي القوات التي تمثل معظم الكتائب المسلحة للثوار في ليبيا وتمتلك أكثر من 90 % من القوة العسكرية في البلاد أعلنها كمجموعات إرهابية وطالب المجتمع الدولي بضربها ومساعدة قوات الجيش الوطني التي قصد بها قوات المتمرد حفتر في معركته ضدها.


هذا القرار كان بمثابة رصاصة الانتحار التي أطلقها البرلمان على نفسه فقد خرجت الآلاف في أكبر المدن الليبية في الغرب والشرق للتنديد بهذه القرارات الرعناء وللمطالبة بسحب الثقة من مجلس النواب وإسقاطه وطالبوا بعودة المؤتمر الوطني العام لممارسة مهامه وتشكيل حكومة إنقاذ وطني.


في هذه المرحلة دخل مجلس النواب مرحلة أزمة الثقة وأصبح وهو المجلس المنتخب بطريقة شرعية يعاني من أزمة انعقاد بعد أن تسرب الكثير من أعضائه الذين حضروا الجلسات الأولى في طبرق مستنكرين إصدار هذه القرارات المتطرفة وأزمة سحب ثقة الشارع الليبي منه بعد أن أصدر هذه القرارات التي تفرط في السيادة الوطنية وتفتح الأبواب أمام الأجنبي لاحتلال البلاد وممارسة سيطرته عليها.


لقد طالبت المظاهرات الشعبية بعد هذه القرارات بمحاكمة النواب الذين وافقوا على قرار التدخل الأجنبي بتهمة الخيانة العظمى واعتبروا عملهم هذا عملاً إجرامياً يُسقط شرعية انتخابهم ويلغي أحقيتهم في عضوية مجلس النواب.


وبعد اجتماع المؤتمر الوطني العام بطلب من ثوار عملية فجر ليبيا وبضغط من الشارع وتكليفه للسيد عمر الحاسي رئيساً لحكومة إنقاذٍ وطني أدت اليمين الدستورية منذ أيام قليلة أصبح موقف مجلس طبرق حرجاً وحساساً خاصةً بعد سياسة التعتيم التي انتهجها حول جلساته وعدد الحاضرين فيها وورود أنباء مؤكدة عن عدم تحقق النصاب اللازم لعقد الجلسات وأصبح المجلس يضرب على وتر الاعتراف الدولي والتدخل الأجنبي لحفظ ماء وجهه وللتشبث بأحقيته في ممارسة شرعيته.


كان للهجمات التي شنها الطيران الإماراتي بمساعدةٍ مصرية الأثر البالغ في سحب ثقة الشارع الليبي من مجلس طبرق وأصبح أمر قبوله كجهة مسؤولة عن أمن البلاد واستقرارها أمر يكاد يكون مستحيلاً.


في ظل هذه الظروف الصعبة التي تحيط بواقع مجلس النواب المجتمع في طبرق يواصل المؤتمر الوطني العام ممارسة مهامه وتبدأ الحكومة التي شكلها في تسيير دفة الأمور في البلاد تحت سيطرة شبه كاملة لهذه الحكومة على معظم الأراضي الليبية يقابله سيطرة محدودة لمجلس طبرق وحكومته التي لم تتشكل بعد.


ومع محاولة بعض الأطراف الدولية مساعدة مجلس طبرق لاستعادة شرعيته المفقودة واسترجاع ثقة الليبيين فيه عن طريق الضغط السياسي والدبلوماسي الذي تجلى واضحاً في زيارة سفراء ومندوبي هذه الدول إلا أن الإجراءات التي اتخذها مجلس طبرق قد قطعت عليه خط الرجعة وتركته معزولاً وسط بحر متلاطم الأمواج لن يفيده فيه إلا فندقه العائم الذي يرسو على شواطئ طبرق.


لم يعد أمام مجلس طبرق من خيارات إلا المضي قُدماً في إغواء الحكومة المصرية لإقناعها للتدخل العسكري في ليبيا وترجيح كفة الجناح العسكري لمجلس طبرق وهذا ما فعله بالفعل في زيارة رئيس المجلس عقيلة صالح ورئيس أركانه عبدالرزاق الناظوري إلى مصر واستجداء واستعطاف المصريين للتدخل العسكري في ليبيا.


ولكن عبدالفتاح السيسي المنقلب على شرعية الانتخاب في مصر لازال متخوفاً من هذه المغامرة التي لم ينل موافقةً دوليةً عليها وهي مغامرةٌ غير مضمونة النتائج فمستنقع الحرب في ليبيا قد يقوّضأركان حكمه في مصر خاصةً مع استمرار الحرب التي واجهها في سيناء مع المجموعات المتطرفة.


وكمحصلة لما سبق فإن الخيارات تتناقص شيئاً فشيئاً أمام مجلس طبرق وقد توغلوا في مستنقع يصعب الخروج منه فباتت فرص النجاة ضئيلة والخيارات شحيحة والحلول المطروحة أحلاها أمر من العلقم.


في تقديري للأمورأن على مجلس طبرق أن يسارع إلى محاولة رأب الصدع مع نواب الممانعة الذين باتوا يشكلون أكثرية ويحاول أن يصحح مساره وفقاً للإعلان الدستوري ويعتبر كل الإجراءات التي اتخذها منذ تاريخ الثاني من أغسطس لاغيةً وغير ذات أثر.


كما أنه من المهم له أن يبتعد عن التجاذبات العسكرية والفكرية والقبلية والجهوية، ويقتنع أنه مجلس نواب لجميع الليبيين وليس لطائفةٍ دون أخرى فأسلوب المغالبة لن يجدي نفعاً ولن يزيده إلا فشلاً وتأخراً.


إذا استطاع المجلس القيام بهذه الخطوات تبقى أمامه مهمة عسيرة جداً يحتاج لحكمةٍ بالغةٍ لإتمامها وهي مهمة استعادة ثقة جموع الليبيين التي نزعتها منه.

 

 

بقلم: م.مروان علي الدرقاش

رأيك في الموضوع