Arabic English French German Italian Spanish

عــنـدما يتألم الرجل

بيئته تفرض عليه أن يداري مشاعر الحزن والألم عمن حوله ؛ فتراه يخفي دموعه ويغمض عينيه ، وتتعارك جفونه وترتعش أهدابه ، كل ذلك ليحرص على إبقاء قوته وهيبته أمام الآخرين ... إنه الرجل في مجتمعنا
قد يصاب الإنسان في نفسه أو فيمن حوله ؛ فتأتي مشاعر الرجولة التي ترسخ في عقله ضرورة أن يكون قادراً على فعل شيء ما .
كحال الأديب الكبير أحمد الزيات عندما كان ينظر لابنه الصغير (رجاء) ساعة الاحتضار فقال _الزيات_ : ( والهف نفسي عليه ساعة أخذته غصّة الموت وأدركته شهقة الروح فصاح بملء فيه الجميل بابا !! بابا كأنما ظن أباه يدفع عنه مالا يدفع عن نفسه ..لنا الله من قبلك ومن بعدك يا رجاء(.
إنّها مشاعر الرجولة التي بداخله تدفعه بأشدّ العنف إلى أن يفعل شيئاً فترجعه قوة القدر ونفاذه إلى المشاعر التي بداخله فهو لايزال بين مطرقة هذه وسندان تلك ، فيُعْصر قلبه وهو يرى مصابه يتحول إلى أرواح تنتقم من كبريائه الذي فرضه عليه المجتمع .
ما أقسى تلك اللحظات على الرجل عندما يشعر بنفسه عاجزاً عن تقديم الحلول فيلجأ إلى التعبير عن عاطفته ، ولكن تأتي بيئتنا وثقافتنا لتمنعه من البوح بذلك ، هي صنعت منه رجلاً جافاً لا يستطيع أن يلامس أو يسلي أو يتعاطف أو يبكي .
هو يشعر نعم هو يشعر ولكنه لازال حبيساً في جلده مازال أسيراً وراء قضبان الخرس والعيب المجتمعي .
ما أقساها من بيئة عندما تجمع على الرجل بجانب مصابه الذي يتلظى بناره مصاباً آخر وهو عدم إعطائه فرصة للتعبير عن تلك المصيبة ؛ فيتحول ذلك كله إلى ألم يعضّ على قلبه ويتترس ناشباً أظفاره وأنيابه فيحاول المسكين إبعاده فإن استطاع له دفعاً تركه وترك ندوباً في قلبه تمثل عدد أيام الشقاء .
وإن لم ... كان انبجاس الدم من هذا القلب ليخرج كلهيب النار ليحرق كل الصدر .
قد يكون للرجل قلمٌ بليغ سيال أو قريحة شعرية تساعده في تخفيف آلامه ، ولكن من لا يملك هذه أو تلك سيظل أسيراً لألمه الصامت وعبراته المخنوقة التي تغير حتى طعم لعابه إلى المرارة
بل إن القلم قد يكسر والشعر قد يجمد ؛ فللغة كون محدود لا تستطيع ترجمة الأحزان اللامتناهية.
لقد نزل بالرجل مالا طـاقـة لـه به
جاءه الألم الذي يضرب على أوتار الحزن فيرتل معه القلب آية القهر لفقد والد أو ابن
جاءه المكان ليشارك برسم ذكرى أرواح أصدقاء تآلفت وصفت وعاشت أحلى أيامها وتطلعت لأجمل أحلامها
جاءه التاريخ ليمثل لحظات وفاء انقضت ، وتجليات صفاء ذهبت أقامها مع امرأة جمعه بها ميثاق غليظ وقداسة الحب المشروع ..
يا الله رحماك رحماك بالرجل
يا بيئتنا رفقاً رفقاً بالرجل فهو يتألم حتى تنصدع كبده هو يتأثر حتى يمرض ويذوي هو يكتوي بسكون الليل الذي يحمل بين طياته الذكريات .
هو بشر ممن خلق الله
ليس شيء أصعب على الإنسان من أن تصطدم قناعاته بطبيعة وجبلة جبله الله عليها عندها ينطلق ليصارع نفسه ويجلد ذاته ويرفض أناه .
ترسم ثقافتنا محددات لشخصية الرجل وأنماطاً لتعايشه قاسية في مجملها ظالمة في معظمها
فمن هو قدوتنا ؟ أهو ذلك الرجل الذي وضعت عليه مجتمعاتنا قيوداً أفهمته أن الرجولة أن تكون كالصوت الأصم لا يرجعه صدى وكالمعنى المبهم لا يحدده خاطر ؟ أم قدوتنا الحقيقية هو النبي صلى الله عليه وسلم عندما يحمل صبياً صغيراً بين يديه ونفسه تتقعقع - تخرج- ففاضت عيناه ، حتى قال سعد بن عبادة ما هذا يا رسول الله فقال صلى الله عليه وسلم : هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء .
نعم لقد بكى صلى الله عليه وسلم وقال : على جعفر فلتبكي البواكي
لقد بكى عندما جاء ليعود سعداً في مرضه فلما دخل عليه وجده في غاشية أهله ، فقال : قد قضى ، قالوا : لا يا رسول الله فبكى ... فلما رأى القوم بكاءه بكوا .. حتى بوّب البخاري في صحيحه باب البكاء عند المريض .
إنها الرحمة التي تسري في عروق الرجل سريان الماء الزلال في جذعٍ لفحه لهيب الشمس وحرها فغدا ناضراً بالخضرة بعد أن كان من جموع الحطب اليابس .
ما أجمل إحساس النبي صلى الله عليه وسلم بالآخرين
لماذا نَتَربّى ونُربّي على روح الثأر والانتقام من الآخرين مع أن الأصل في شريعتنا العفو والصفح والغفران
لماذا نصادر الإحساس بالآخرين وعليها مدار الأخلاق والآداب في شريعتنا الغراء من تكافل اجتماعي وعطف على الفقراء ومساعدة للأرامل ومسحاً على رؤوس الأيتام إلى مشاطرة الناس للأحزان ومشاركتهم في الأفراح .
إن معاملة الرجل على أنه آلة تعمل صباحاً وتجني الأموال ، وتأكل وتنام مساءً يعدّ نوعاً من سلخ الرجل من إنسانيته وحياته .
فليست الحياة بتكديس الأموال
إن الحياة هي الإحساس بالآخرين
إن الحياة هي تخفيف الألم عن الآخرين
إن الحياة هي إدخال السرور على الآخرين
وكما يقول الشهيد سيد رحمه الله : إن الحياة ليست بعد السنين ولكنها بعداد المشاعر
إن الحياة هي التفاعل مع الآخرين بكاءً مع بكائهم ، وفرحاً مع أفراحهم وبذلاً عند افتقارهم
ســنعيش لنكون أكثر إحساساً وتعبيراً عن أحاسيسنا
ســنعيش لنضم ونقبل أبناءنا صغاراً وكباراً ذكوراً وإناثاً
ســنعيش لنذرف الدموع عند الألم والحزن وعند الفرح
ســنعيش لنملأ فراغاً لدى أبنائنا وبناتنا لتنمو مشاعرهم مع عقولهم
وليخرجوا من سجون صمتهم ، وليعيشوا حياتهم ، وليروا الماضي جميلاً من خلالنا ، والحاضر أجمل في وجودنا ، والمستقبل أزهر من بعدنا

 

أحمد الدايخ

21 شباط 2015 3 تعليقات
(0 أصوات)
عــنـدما يتألم الرجل

بيئته تفرض عليه أن يداري مشاعر الحزن والألم عمن حوله ؛ فتراه يخفي دموعه ويغمض عينيه ، وتتعارك جفونه وترتعش أهدابه ، كل ذلك ليحرص على إبقاء قوته وهيبته أمام الآخرين ... إنه الرجل في مجتمعنا
قد يصاب الإنسان في نفسه أو فيمن حوله ؛ فتأتي مشاعر الرجولة التي ترسخ في عقله ضرورة أن يكون قادراً على فعل شيء ما .
كحال الأديب الكبير أحمد الزيات عندما كان ينظر لابنه الصغير (رجاء) ساعة الاحتضار فقال _الزيات_ : ( والهف نفسي عليه ساعة أخذته غصّة الموت وأدركته شهقة الروح فصاح بملء فيه الجميل بابا !! بابا كأنما ظن أباه يدفع عنه مالا يدفع عن نفسه ..لنا الله من قبلك ومن بعدك يا رجاء(.
إنّها مشاعر الرجولة التي بداخله تدفعه بأشدّ العنف إلى أن يفعل شيئاً فترجعه قوة القدر ونفاذه إلى المشاعر التي بداخله فهو لايزال بين مطرقة هذه وسندان تلك ، فيُعْصر قلبه وهو يرى مصابه يتحول إلى أرواح تنتقم من كبريائه الذي فرضه عليه المجتمع .
ما أقسى تلك اللحظات على الرجل عندما يشعر بنفسه عاجزاً عن تقديم الحلول فيلجأ إلى التعبير عن عاطفته ، ولكن تأتي بيئتنا وثقافتنا لتمنعه من البوح بذلك ، هي صنعت منه رجلاً جافاً لا يستطيع أن يلامس أو يسلي أو يتعاطف أو يبكي .
هو يشعر نعم هو يشعر ولكنه لازال حبيساً في جلده مازال أسيراً وراء قضبان الخرس والعيب المجتمعي .
ما أقساها من بيئة عندما تجمع على الرجل بجانب مصابه الذي يتلظى بناره مصاباً آخر وهو عدم إعطائه فرصة للتعبير عن تلك المصيبة ؛ فيتحول ذلك كله إلى ألم يعضّ على قلبه ويتترس ناشباً أظفاره وأنيابه فيحاول المسكين إبعاده فإن استطاع له دفعاً تركه وترك ندوباً في قلبه تمثل عدد أيام الشقاء .
وإن لم ... كان انبجاس الدم من هذا القلب ليخرج كلهيب النار ليحرق كل الصدر .
قد يكون للرجل قلمٌ بليغ سيال أو قريحة شعرية تساعده في تخفيف آلامه ، ولكن من لا يملك هذه أو تلك سيظل أسيراً لألمه الصامت وعبراته المخنوقة التي تغير حتى طعم لعابه إلى المرارة
بل إن القلم قد يكسر والشعر قد يجمد ؛ فللغة كون محدود لا تستطيع ترجمة الأحزان اللامتناهية.
لقد نزل بالرجل مالا طـاقـة لـه به
جاءه الألم الذي يضرب على أوتار الحزن فيرتل معه القلب آية القهر لفقد والد أو ابن
جاءه المكان ليشارك برسم ذكرى أرواح أصدقاء تآلفت وصفت وعاشت أحلى أيامها وتطلعت لأجمل أحلامها
جاءه التاريخ ليمثل لحظات وفاء انقضت ، وتجليات صفاء ذهبت أقامها مع امرأة جمعه بها ميثاق غليظ وقداسة الحب المشروع ..
يا الله رحماك رحماك بالرجل
يا بيئتنا رفقاً رفقاً بالرجل فهو يتألم حتى تنصدع كبده هو يتأثر حتى يمرض ويذوي هو يكتوي بسكون الليل الذي يحمل بين طياته الذكريات .
هو بشر ممن خلق الله
ليس شيء أصعب على الإنسان من أن تصطدم قناعاته بطبيعة وجبلة جبله الله عليها عندها ينطلق ليصارع نفسه ويجلد ذاته ويرفض أناه .
ترسم ثقافتنا محددات لشخصية الرجل وأنماطاً لتعايشه قاسية في مجملها ظالمة في معظمها
فمن هو قدوتنا ؟ أهو ذلك الرجل الذي وضعت عليه مجتمعاتنا قيوداً أفهمته أن الرجولة أن تكون كالصوت الأصم لا يرجعه صدى وكالمعنى المبهم لا يحدده خاطر ؟ أم قدوتنا الحقيقية هو النبي صلى الله عليه وسلم عندما يحمل صبياً صغيراً بين يديه ونفسه تتقعقع - تخرج- ففاضت عيناه ، حتى قال سعد بن عبادة ما هذا يا رسول الله فقال صلى الله عليه وسلم : هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء .
نعم لقد بكى صلى الله عليه وسلم وقال : على جعفر فلتبكي البواكي
لقد بكى عندما جاء ليعود سعداً في مرضه فلما دخل عليه وجده في غاشية أهله ، فقال : قد قضى ، قالوا : لا يا رسول الله فبكى ... فلما رأى القوم بكاءه بكوا .. حتى بوّب البخاري في صحيحه باب البكاء عند المريض .
إنها الرحمة التي تسري في عروق الرجل سريان الماء الزلال في جذعٍ لفحه لهيب الشمس وحرها فغدا ناضراً بالخضرة بعد أن كان من جموع الحطب اليابس .
ما أجمل إحساس النبي صلى الله عليه وسلم بالآخرين
لماذا نَتَربّى ونُربّي على روح الثأر والانتقام من الآخرين مع أن الأصل في شريعتنا العفو والصفح والغفران
لماذا نصادر الإحساس بالآخرين وعليها مدار الأخلاق والآداب في شريعتنا الغراء من تكافل اجتماعي وعطف على الفقراء ومساعدة للأرامل ومسحاً على رؤوس الأيتام إلى مشاطرة الناس للأحزان ومشاركتهم في الأفراح .
إن معاملة الرجل على أنه آلة تعمل صباحاً وتجني الأموال ، وتأكل وتنام مساءً يعدّ نوعاً من سلخ الرجل من إنسانيته وحياته .
فليست الحياة بتكديس الأموال
إن الحياة هي الإحساس بالآخرين
إن الحياة هي تخفيف الألم عن الآخرين
إن الحياة هي إدخال السرور على الآخرين
وكما يقول الشهيد سيد رحمه الله : إن الحياة ليست بعد السنين ولكنها بعداد المشاعر
إن الحياة هي التفاعل مع الآخرين بكاءً مع بكائهم ، وفرحاً مع أفراحهم وبذلاً عند افتقارهم
ســنعيش لنكون أكثر إحساساً وتعبيراً عن أحاسيسنا
ســنعيش لنضم ونقبل أبناءنا صغاراً وكباراً ذكوراً وإناثاً
ســنعيش لنذرف الدموع عند الألم والحزن وعند الفرح
ســنعيش لنملأ فراغاً لدى أبنائنا وبناتنا لتنمو مشاعرهم مع عقولهم
وليخرجوا من سجون صمتهم ، وليعيشوا حياتهم ، وليروا الماضي جميلاً من خلالنا ، والحاضر أجمل في وجودنا ، والمستقبل أزهر من بعدنا

 

أحمد الدايخ

3 تعليقات

  • JustDied 31 كانون1/ديسمبر 2017

    Remoxy Amoxicillin http://costofcial.com - viagra cialis Amoxicillin Clav 875 125mg Supplements With Amoxicillin Safe Site To Buy Cialis El Cialis Se Vende Con Receta online pharmacy Cephalexin Doesn'T Clear Up Infection Completely Baclofen Vente 25mg buy accutane 30 mg Tadalis Sx Soft Effet Propecia Low Fertility Apotheke Viagra http://costofcial.com - cialis Discount Coupon For Plavix Cialis Comprimes Cialis Carte Bancaire

  • HaroExhage 26 أيلول/سبتمبر 2017

    Want to buy isotretinoin free doctor consultation generic cialis Provera Dysmenorrhea Achat Cialis En Ligne Securise

  • KelWigueteP 10 تموز/يوليو 2017

    Amoxicillin Sodium Market Report generic cialis Cialis Ohne Rezept Forum

رأيك في الموضوع