Arabic English French German Italian Spanish

الديكتاتورية تُعيد انتاج نفسها ... في إطار استمرار الحقبة الاستعمارية

 

كان منتصف القرن الماضي يمثل فترة الانقلابات العسكرية ليس في العالم العربي فقط ولكن في جُلِّ دول العالم الثالث التي اضطر الاستعمار الأجنبي للخروج منها بعد أن تم تأسيس منظمة الأمم المتحدة التي تبنت قضية حقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها فوجدت الدول الاستعمارية التي كانت من بين الدول المؤسسة للهيئة الأممية وجدت نفسها مضطرة للتنازل عن مستعمراتها والرضا بالخروج منها وتسليمها إلى شعوبها عبر سلسلة من إعلانات الاستقلال التي واكبت تأسيس وظهور دول جديدة مُعترف بها في المنظمة الأممية.
ولكن الإصرار الذي تميزت به هذه الدول الاستعمارية عبر تاريخها الاستعماري جعلها تستصعب التسليم بخسارة نفوذها في الدول التي نالت استقلالها لذلك فقد تم برمجة أغلب مشاريع الاستقلال ليتم ضمان نفوذ هذه الدول الاستعمارية ويحقق لها استمرارية تحكمها وتدخلها في شؤون هذه البلدان المستقلة، فخرجت الدول الاستعمارية لتترك في مستعمراتها أنويةً لقوى تدين بالولاء للمستعمر القديم ومبرمجة لتنفيذ مخططاته ورعاية مصالحه.
ومن هنا انطلقت في أغلب الدول التي نالت استقلالها في النصف الثاني من القرن الماضي سلسلة من الانقلابات العسكرية التي قادها ضباط تم إعدادهم وتدريبهم وتجنيدهم من قبل مخابرات الدول الاستعمارية؛ ليضمن لمشروع الهيمنة الاستعمارية أن يستمر في المستعمرات القديمة ويضمن بقاء مصالحها داخل هذه المستعمرات، ولن يتأتى ذلك إلا عبر انقلابات تستولي على الحكم وتبني أنظمة حُكم شمولية تعيد هذه الدول إلى بيت الطاعة الاستعماري الذي خرجت منه بإعلان الاستقلال الذي اُضطرت إليه المنظمة الأممية احتراماً لميثاقها وعملاً بمبادئها.
لقد أسست هذه الأنظمة التي جاءت عبر الانقلابات العسكرية ديكتاتوريات دامت طويلاً وعملت على قتل ووأد كل محاولات الشعوب للانفكاك من تبعية المستعمر وتحقيق السيادة والاستقلال وامتلاك المقدرات ومنع سرقتها وكانت تنتهج في سبيل ذلك أبشع الوسائل والطرق وتمارس أعتى أنواع التسلط والظلم والطغيان وتسوق الشعوب بعصاها وتضرب بيد من حديد كل من يعارضها أو يحاول أن يوعي الشعوب لإدراك واقعها ورفضه.
وهذا ما مارسته هذه الديكتاتوريات في منطقتنا العربية أيضاً ومن بينها ليبيا فقد جاءت هذه الانقلابات لتنقلب على الخيار الديمقراطي الذي قد يأتي بسلطات تحارب النفوذ الاستعماري وترفضه وتعمل لصالح أوطانها وهو ما يخافه المستعمر ويعمل جاهداً على تلافيه ومنع حدوثه.
وفي هذا الباب يمكن أن نفسر عدم الاستقرار الذي اتسمت به الفترة الملكية التي سبقت انقلاب سبتمبر المشؤوم حيث أن صندوق الانتخابات كان كثيراً ما يُفرز خيرات لا تتفق مع رغبات الدول الاستعمارية ويتعارض مع برامجها وخططها فكانت تنزع إلى تغيير هذه النتائج بحل البرلمانات وتغيير الحكومات وهو أمر تميزت به هذه الفترة فعرفت عدداً من الانتخابات والحكومات يندر أن يكون له مثيلاً فيما عُرف من الأنظمة الديمقراطية الأخرى ولعل البداية كانت في أول انتخابات شهدتها ليبيا بعد الاستقلال حيث تم تزوير الانتخابات مما نتج عنه أعمال عنف ومظاهرات أدت نهايتها بإقصاء أكثر الأحزاب شعبيةً في ليبيا وهو حزب المؤتمر بزعامة المناضل "بشير السعداوي" وساعدت سلطات الانتداب البريطاني في قمع هذه المظاهرات بعد أن كان واضحاً وجلياً أن وصل حزب المؤتمر وزعيمه السعداوي إلى السلطة في ليبيا هو أمرٌ مخالفٌ تماماً لأجندة المستعمر الأجنبي ويعمل ضد مصالحه ونفوذه.
وقد استمر تكرار هذا المشهد السياسي في ليبيا طيلة سنوات حكم المملكة فكان التدخل الأجنبي واضحاً في ترجيح كفة الأطراف السياسية الموالية للمستعمر كما كان واضحاً في إلغاء العمل بالأحزاب بعد أن أثبتت التجربة أن العمل الحزبي المؤطر لا يمكن السيطرة عليه ولا يمكن التحكم في مخرجاته ويصعب توجيه بوصلته فتم إلغاء الأحزاب التي كانت تعمل بمشاريع واضحة لمصلحة الوطن وتم تكوين الأجسام التشريعية عبر انتخابات غالباً ما تُفرز عناصر مدعومةً من قوى أجنبية تضمن مصالحه وتحقق مشاريعه.
ولكن هذا الأمر لن يطول حتى يفهم الليبيون هذه اللعبة السياسية ويعملون على تفكيكها وإفشالها عبر تحسين مُخرجات الصناديق الانتخابية وإنتاج أجساماً سياسية تعمل لصالح الوطن وهو ما كان واضحاً في أواخر العهد الملكي الذي شهد تقلبات سياسية عديدة بسبب تعارض منتج الصندوق الانتخابي مع رغبات ومصالح الدول الاستعمارية مما جعل الأوضاع السياسية غير مستقرة وزاد من تململ الليبيين واستيائهم من المشهد السياسي في البلد.
هنا أدركت القوى الاستعمارية أن النموذج الديمقراطي في مستعمراتها القديمة ومنها ليبيا لا يمكن أن يأتي دوماً بمن يضمن لها استمرار نفوذها وأن المخاطر من وقوع السلطة في يد تحرر هذه البلاد من الهيمنة والسيطرة الاستعمارية سيظل دائماً يؤرق مضاجع الدول الاستعمارية لذلك فإن أنجع الطرق لضمان أن تكون السلطات الحاكمة في المستعمرات القديمة موالية للدول الاستعمارية ومحافظةً على مصالحها ونفوذها هو أن تقوم أنظمة حكم ديكتاتورية بقيادة هذه البلدان لفترات طويلة ترهنها لمشروع سياسي شمولي يُعمِّر طويلاً ويمنع هذه البلدان من الوقوع تحت تأثير عواصف التغيير السياسي غير مضمونة النتائج وهذه الديكتاتوريات المعمرة وذات السياسة الشمولية لا يمكن أن تتحقق إلى بوصول قيادات عسكرية عبر انقلابات عسكرية تتميز بالنرجسية والغطرسة تتصور نفسها أنها فوق مستوى البشر وتلعب دور الفرعون الذي يُنصب نفسه إلهاً معبوداً لشعبه لا يريهم إلا ما يرى ولا يهديهم إلا سبيل الرشاد.
هذا هو المنعطف الذي أدى إلى قيام الانقلابات العسكرية في دول المنطقة ومنها ليبيا فاستلم الحكم العسكر الذين لا يحاورون شعوبهم إلا من فوهات البنادق ولا يسمعون منهم سوى آهاتهم وهي تخرج من أفواه المعتقلين تحت سياط جلاديهم. وقد استقرت الأمور لهذه الأنظمة الشمولية التي كانت ترفع شعارات رنانة لتسويق مشاريعها الديكتاتورية عبر تسويق أفكار القومية العربية والحرية والوحدة والعدالة الاجتماعية وغيرها من الشعارات الجوفاء التي أثبت التاريخ أنها بضاعةٌ مزجاة كان الغرض منها الضحك على الشعوب واستلاب حريتها واستقلالها.
بعد مضي العقود الأربعة العجاف التي مارس فيها القذافي الديكتاتورية الشمولية بأبشع صورها على هذا الشعب الطيب وحافظ على علاقة نفعية خسيسة مع المستعمر كضامن لمصالحه رغم ما يشيع أنه يعاديه ويعمل ضده إلا أنه ظل يسير في حدود ما رسم له المستعمر في إطار استعباد الشعوب وإضعاف إرادتها وتوقها للحرية والاستقلال وهو الإطار الجديد الذي تبناه المستعمر في مقاومة محاولات الشعوب الدائمة لامتلاك سيادتها واستقلالها وكان هذا واضحاً في تصريحات بعض المفكرين الغربيين كـ "نعوم تشومسكي" الذي قال في إحدى محاضراته " أن الولايات المتحدة كانت تدعم الأنظمة الديكتاتورية السابقة على عام 2011، كذلك فعلت في تونس مع نظام "زين العابدين بن علي" قبل ثورة الياسمين إلى أن أصبح من المستحيل الاستمرار في هذا الدعم، ولفت إلى وجود محاولات لإعادة بناء النظم القديمة في الدول التي شهدت تغيرات تتجه نحو التحول الديمقراطي، ضارباً مثلا بموقف أميركا من الانتخابات الفلسطينية في عام 2006، التي وصفها المراقبون بأنها أول انتخابات نزيهة وحرة في الوطن العربي، والتي جاءت نتيجتها بفوز حركة حماس، حيث حاولت أميركا وإسرائيل دفع نتيجة الانتخابات نحو مرشحهم المفضل، ونتيجة لمخالفة توقعاتهم، اتجهوا بمساعدة الاتحاد الأوروبي لمعاقبة الشعب الفلسطيني، زاعمين انتهاكه الديمقراطية عن طريق التصويت، الذي لم يأتِ كما ترغب أميركا، التي سارعت في الإعداد لانقلاب عسكري للإطاحة بالحكومة التي لا تستهويها."
وبعد الربيع العربي الذي قام باكتساح هذه الديكتاتوريات الجاثمة على البلاد العربية والتي عملت لمصلحة المستعمر طيلة النصف الأخير من القرن الماضي حاولت الدول الاستعمارية استعادة هذه النظم الديكتاتورية عبر مساندتها للثورات المضادة والتي كانت تعمل لعودة الأنظمة الديكتاتورية القديمة عبر انقلابات عسكرية ترفع هذه المرة شعارات تناسب المرحلة الراهنة فاتخذت من شعار محاربة الإرهاب فخاً جديداً لاستعباط الشعوب وخداعها لتركب ظهورها وتتسلق على أكتافها لتحقيق رغبات العسكر في إشباع نزواتهم نحو الحكم والسيادة وفي نفس الوقت تحقق أهداف الدول الاستعمارية في إيجاد أنظمة حكم تضمن استمرار هيمنتها على هذه البلدان من خلال إفشال أي محاولة تسمح لشعوب المنطقة من امتلاك قدرتها على اختيار حُكامها والتي قد تساهم في ظهور أنظمة حكم تسعى لتحقيق سيادة هذه البلاد واستقلالها على المستعمر القديم وهو الهاجس الذي تخشاه الدول الاستعمارية من أي نظام حكم ديمقراطي يعتمد ما تفرزه اختيارات الناس عبر الانتخابات الحرة والنزيهة.
وإضافةً لما ساقه "تشومسكي" من مثال الانتخابات الفلسطينية عام 2006 التي أوصلت حماس للحكم نذكر أيضاً هنا موقف الغرب مما أفرزته الانتخابات البرلمانية والرئاسية في مصر بعد ثورة 25 يناير والتي أفرزت حكومة وبرلمان ورئيس تنتمي جميعها لتيار يعارض هيمنة الغرب وتسلطه فما كان منها إلا أن ساهمت وباركت الانقلاب العسكري الذي قاده السيسي وغضت الطرف عن قتل آلاف المتظاهرين وحرقهم في الساحات في أبشع صور انتهاك حقوق الإنسان وامتهان آدميته وكذلك مباركتها لانقلاب اللواء المتقاعد "خليفة حفتر" في ليبيا ومساندته عبر وكلاء العرب للدول الاستعمارية ورفضها القبول بحكم المحكمة العليا الليبية بحل مجلس النواب المساند لهذا الانقلاب رغم ادعاء هذه الدول الاستعمارية سعيها لإقامة أنظمة تحترم القضاء والقانون وتقوم على المؤسسات.
إن مسيرة قرن من الزمان الذي عقب الحقبة الاستعمارية عملت فيه الدول الاستعمارية على مساندة الديكتاتورية على إعادة إنتاج نفسها في المنطقة هو مخطط متكامل لتمديد هذه الحقبة الاستعمارية واستمرار فرض سياسة الهيمنة والسيطرة على شعوب المنطقة ومنعها من امتلاك استقلالها وسيادتها.
ولكن الرهان على وعي الشعوب وإدراكها وتغير الظروف طيلة عقد من الزمن أصبح يبعث الأمل والتفاؤل في النفس أن مساعي فرض السيطرة والهيمنة أصبحت تواجه بمقاومة شديدة قد تؤدي بها إلى الفشل في كثير من بلدان المنطقة ومنها كما نأمل ليبيا فحتى الآن تصمد إرادة الشعب الليبي في مواجهة عودة الديكتاتورية التي تساندها القوى الاستعمارية ويرفض الشعب الليبي أن يعيد استنساخ انقلاب سبتمبر المشؤوم الذي يحاول "حفتر" تسويقه لليبيين بحجة محاربة الإرهاب ويدعمه في ذلك أنظمة ديكتاتورية عربية بمساندة استعمارية، وأنا على يقين أن أول التجارب الناجحة لرفض الهيمنة والتسلط الاستعماري وامتلاك السيادة والاستقلال لشعوب المنطقة وإنهاء الحقبة الاستعمارية البغيضة سيكون بإذن الله من ليبيا ومنها سينطلق إلى كل شعوب المنطقة.

 


مروان الدرقاش

21 شباط 2015 0 comment
(0 أصوات)
الديكتاتورية تُعيد انتاج نفسها ... في إطار استمرار الحقبة الاستعمارية

 

كان منتصف القرن الماضي يمثل فترة الانقلابات العسكرية ليس في العالم العربي فقط ولكن في جُلِّ دول العالم الثالث التي اضطر الاستعمار الأجنبي للخروج منها بعد أن تم تأسيس منظمة الأمم المتحدة التي تبنت قضية حقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها فوجدت الدول الاستعمارية التي كانت من بين الدول المؤسسة للهيئة الأممية وجدت نفسها مضطرة للتنازل عن مستعمراتها والرضا بالخروج منها وتسليمها إلى شعوبها عبر سلسلة من إعلانات الاستقلال التي واكبت تأسيس وظهور دول جديدة مُعترف بها في المنظمة الأممية.
ولكن الإصرار الذي تميزت به هذه الدول الاستعمارية عبر تاريخها الاستعماري جعلها تستصعب التسليم بخسارة نفوذها في الدول التي نالت استقلالها لذلك فقد تم برمجة أغلب مشاريع الاستقلال ليتم ضمان نفوذ هذه الدول الاستعمارية ويحقق لها استمرارية تحكمها وتدخلها في شؤون هذه البلدان المستقلة، فخرجت الدول الاستعمارية لتترك في مستعمراتها أنويةً لقوى تدين بالولاء للمستعمر القديم ومبرمجة لتنفيذ مخططاته ورعاية مصالحه.
ومن هنا انطلقت في أغلب الدول التي نالت استقلالها في النصف الثاني من القرن الماضي سلسلة من الانقلابات العسكرية التي قادها ضباط تم إعدادهم وتدريبهم وتجنيدهم من قبل مخابرات الدول الاستعمارية؛ ليضمن لمشروع الهيمنة الاستعمارية أن يستمر في المستعمرات القديمة ويضمن بقاء مصالحها داخل هذه المستعمرات، ولن يتأتى ذلك إلا عبر انقلابات تستولي على الحكم وتبني أنظمة حُكم شمولية تعيد هذه الدول إلى بيت الطاعة الاستعماري الذي خرجت منه بإعلان الاستقلال الذي اُضطرت إليه المنظمة الأممية احتراماً لميثاقها وعملاً بمبادئها.
لقد أسست هذه الأنظمة التي جاءت عبر الانقلابات العسكرية ديكتاتوريات دامت طويلاً وعملت على قتل ووأد كل محاولات الشعوب للانفكاك من تبعية المستعمر وتحقيق السيادة والاستقلال وامتلاك المقدرات ومنع سرقتها وكانت تنتهج في سبيل ذلك أبشع الوسائل والطرق وتمارس أعتى أنواع التسلط والظلم والطغيان وتسوق الشعوب بعصاها وتضرب بيد من حديد كل من يعارضها أو يحاول أن يوعي الشعوب لإدراك واقعها ورفضه.
وهذا ما مارسته هذه الديكتاتوريات في منطقتنا العربية أيضاً ومن بينها ليبيا فقد جاءت هذه الانقلابات لتنقلب على الخيار الديمقراطي الذي قد يأتي بسلطات تحارب النفوذ الاستعماري وترفضه وتعمل لصالح أوطانها وهو ما يخافه المستعمر ويعمل جاهداً على تلافيه ومنع حدوثه.
وفي هذا الباب يمكن أن نفسر عدم الاستقرار الذي اتسمت به الفترة الملكية التي سبقت انقلاب سبتمبر المشؤوم حيث أن صندوق الانتخابات كان كثيراً ما يُفرز خيرات لا تتفق مع رغبات الدول الاستعمارية ويتعارض مع برامجها وخططها فكانت تنزع إلى تغيير هذه النتائج بحل البرلمانات وتغيير الحكومات وهو أمر تميزت به هذه الفترة فعرفت عدداً من الانتخابات والحكومات يندر أن يكون له مثيلاً فيما عُرف من الأنظمة الديمقراطية الأخرى ولعل البداية كانت في أول انتخابات شهدتها ليبيا بعد الاستقلال حيث تم تزوير الانتخابات مما نتج عنه أعمال عنف ومظاهرات أدت نهايتها بإقصاء أكثر الأحزاب شعبيةً في ليبيا وهو حزب المؤتمر بزعامة المناضل "بشير السعداوي" وساعدت سلطات الانتداب البريطاني في قمع هذه المظاهرات بعد أن كان واضحاً وجلياً أن وصل حزب المؤتمر وزعيمه السعداوي إلى السلطة في ليبيا هو أمرٌ مخالفٌ تماماً لأجندة المستعمر الأجنبي ويعمل ضد مصالحه ونفوذه.
وقد استمر تكرار هذا المشهد السياسي في ليبيا طيلة سنوات حكم المملكة فكان التدخل الأجنبي واضحاً في ترجيح كفة الأطراف السياسية الموالية للمستعمر كما كان واضحاً في إلغاء العمل بالأحزاب بعد أن أثبتت التجربة أن العمل الحزبي المؤطر لا يمكن السيطرة عليه ولا يمكن التحكم في مخرجاته ويصعب توجيه بوصلته فتم إلغاء الأحزاب التي كانت تعمل بمشاريع واضحة لمصلحة الوطن وتم تكوين الأجسام التشريعية عبر انتخابات غالباً ما تُفرز عناصر مدعومةً من قوى أجنبية تضمن مصالحه وتحقق مشاريعه.
ولكن هذا الأمر لن يطول حتى يفهم الليبيون هذه اللعبة السياسية ويعملون على تفكيكها وإفشالها عبر تحسين مُخرجات الصناديق الانتخابية وإنتاج أجساماً سياسية تعمل لصالح الوطن وهو ما كان واضحاً في أواخر العهد الملكي الذي شهد تقلبات سياسية عديدة بسبب تعارض منتج الصندوق الانتخابي مع رغبات ومصالح الدول الاستعمارية مما جعل الأوضاع السياسية غير مستقرة وزاد من تململ الليبيين واستيائهم من المشهد السياسي في البلد.
هنا أدركت القوى الاستعمارية أن النموذج الديمقراطي في مستعمراتها القديمة ومنها ليبيا لا يمكن أن يأتي دوماً بمن يضمن لها استمرار نفوذها وأن المخاطر من وقوع السلطة في يد تحرر هذه البلاد من الهيمنة والسيطرة الاستعمارية سيظل دائماً يؤرق مضاجع الدول الاستعمارية لذلك فإن أنجع الطرق لضمان أن تكون السلطات الحاكمة في المستعمرات القديمة موالية للدول الاستعمارية ومحافظةً على مصالحها ونفوذها هو أن تقوم أنظمة حكم ديكتاتورية بقيادة هذه البلدان لفترات طويلة ترهنها لمشروع سياسي شمولي يُعمِّر طويلاً ويمنع هذه البلدان من الوقوع تحت تأثير عواصف التغيير السياسي غير مضمونة النتائج وهذه الديكتاتوريات المعمرة وذات السياسة الشمولية لا يمكن أن تتحقق إلى بوصول قيادات عسكرية عبر انقلابات عسكرية تتميز بالنرجسية والغطرسة تتصور نفسها أنها فوق مستوى البشر وتلعب دور الفرعون الذي يُنصب نفسه إلهاً معبوداً لشعبه لا يريهم إلا ما يرى ولا يهديهم إلا سبيل الرشاد.
هذا هو المنعطف الذي أدى إلى قيام الانقلابات العسكرية في دول المنطقة ومنها ليبيا فاستلم الحكم العسكر الذين لا يحاورون شعوبهم إلا من فوهات البنادق ولا يسمعون منهم سوى آهاتهم وهي تخرج من أفواه المعتقلين تحت سياط جلاديهم. وقد استقرت الأمور لهذه الأنظمة الشمولية التي كانت ترفع شعارات رنانة لتسويق مشاريعها الديكتاتورية عبر تسويق أفكار القومية العربية والحرية والوحدة والعدالة الاجتماعية وغيرها من الشعارات الجوفاء التي أثبت التاريخ أنها بضاعةٌ مزجاة كان الغرض منها الضحك على الشعوب واستلاب حريتها واستقلالها.
بعد مضي العقود الأربعة العجاف التي مارس فيها القذافي الديكتاتورية الشمولية بأبشع صورها على هذا الشعب الطيب وحافظ على علاقة نفعية خسيسة مع المستعمر كضامن لمصالحه رغم ما يشيع أنه يعاديه ويعمل ضده إلا أنه ظل يسير في حدود ما رسم له المستعمر في إطار استعباد الشعوب وإضعاف إرادتها وتوقها للحرية والاستقلال وهو الإطار الجديد الذي تبناه المستعمر في مقاومة محاولات الشعوب الدائمة لامتلاك سيادتها واستقلالها وكان هذا واضحاً في تصريحات بعض المفكرين الغربيين كـ "نعوم تشومسكي" الذي قال في إحدى محاضراته " أن الولايات المتحدة كانت تدعم الأنظمة الديكتاتورية السابقة على عام 2011، كذلك فعلت في تونس مع نظام "زين العابدين بن علي" قبل ثورة الياسمين إلى أن أصبح من المستحيل الاستمرار في هذا الدعم، ولفت إلى وجود محاولات لإعادة بناء النظم القديمة في الدول التي شهدت تغيرات تتجه نحو التحول الديمقراطي، ضارباً مثلا بموقف أميركا من الانتخابات الفلسطينية في عام 2006، التي وصفها المراقبون بأنها أول انتخابات نزيهة وحرة في الوطن العربي، والتي جاءت نتيجتها بفوز حركة حماس، حيث حاولت أميركا وإسرائيل دفع نتيجة الانتخابات نحو مرشحهم المفضل، ونتيجة لمخالفة توقعاتهم، اتجهوا بمساعدة الاتحاد الأوروبي لمعاقبة الشعب الفلسطيني، زاعمين انتهاكه الديمقراطية عن طريق التصويت، الذي لم يأتِ كما ترغب أميركا، التي سارعت في الإعداد لانقلاب عسكري للإطاحة بالحكومة التي لا تستهويها."
وبعد الربيع العربي الذي قام باكتساح هذه الديكتاتوريات الجاثمة على البلاد العربية والتي عملت لمصلحة المستعمر طيلة النصف الأخير من القرن الماضي حاولت الدول الاستعمارية استعادة هذه النظم الديكتاتورية عبر مساندتها للثورات المضادة والتي كانت تعمل لعودة الأنظمة الديكتاتورية القديمة عبر انقلابات عسكرية ترفع هذه المرة شعارات تناسب المرحلة الراهنة فاتخذت من شعار محاربة الإرهاب فخاً جديداً لاستعباط الشعوب وخداعها لتركب ظهورها وتتسلق على أكتافها لتحقيق رغبات العسكر في إشباع نزواتهم نحو الحكم والسيادة وفي نفس الوقت تحقق أهداف الدول الاستعمارية في إيجاد أنظمة حكم تضمن استمرار هيمنتها على هذه البلدان من خلال إفشال أي محاولة تسمح لشعوب المنطقة من امتلاك قدرتها على اختيار حُكامها والتي قد تساهم في ظهور أنظمة حكم تسعى لتحقيق سيادة هذه البلاد واستقلالها على المستعمر القديم وهو الهاجس الذي تخشاه الدول الاستعمارية من أي نظام حكم ديمقراطي يعتمد ما تفرزه اختيارات الناس عبر الانتخابات الحرة والنزيهة.
وإضافةً لما ساقه "تشومسكي" من مثال الانتخابات الفلسطينية عام 2006 التي أوصلت حماس للحكم نذكر أيضاً هنا موقف الغرب مما أفرزته الانتخابات البرلمانية والرئاسية في مصر بعد ثورة 25 يناير والتي أفرزت حكومة وبرلمان ورئيس تنتمي جميعها لتيار يعارض هيمنة الغرب وتسلطه فما كان منها إلا أن ساهمت وباركت الانقلاب العسكري الذي قاده السيسي وغضت الطرف عن قتل آلاف المتظاهرين وحرقهم في الساحات في أبشع صور انتهاك حقوق الإنسان وامتهان آدميته وكذلك مباركتها لانقلاب اللواء المتقاعد "خليفة حفتر" في ليبيا ومساندته عبر وكلاء العرب للدول الاستعمارية ورفضها القبول بحكم المحكمة العليا الليبية بحل مجلس النواب المساند لهذا الانقلاب رغم ادعاء هذه الدول الاستعمارية سعيها لإقامة أنظمة تحترم القضاء والقانون وتقوم على المؤسسات.
إن مسيرة قرن من الزمان الذي عقب الحقبة الاستعمارية عملت فيه الدول الاستعمارية على مساندة الديكتاتورية على إعادة إنتاج نفسها في المنطقة هو مخطط متكامل لتمديد هذه الحقبة الاستعمارية واستمرار فرض سياسة الهيمنة والسيطرة على شعوب المنطقة ومنعها من امتلاك استقلالها وسيادتها.
ولكن الرهان على وعي الشعوب وإدراكها وتغير الظروف طيلة عقد من الزمن أصبح يبعث الأمل والتفاؤل في النفس أن مساعي فرض السيطرة والهيمنة أصبحت تواجه بمقاومة شديدة قد تؤدي بها إلى الفشل في كثير من بلدان المنطقة ومنها كما نأمل ليبيا فحتى الآن تصمد إرادة الشعب الليبي في مواجهة عودة الديكتاتورية التي تساندها القوى الاستعمارية ويرفض الشعب الليبي أن يعيد استنساخ انقلاب سبتمبر المشؤوم الذي يحاول "حفتر" تسويقه لليبيين بحجة محاربة الإرهاب ويدعمه في ذلك أنظمة ديكتاتورية عربية بمساندة استعمارية، وأنا على يقين أن أول التجارب الناجحة لرفض الهيمنة والتسلط الاستعماري وامتلاك السيادة والاستقلال لشعوب المنطقة وإنهاء الحقبة الاستعمارية البغيضة سيكون بإذن الله من ليبيا ومنها سينطلق إلى كل شعوب المنطقة.

 


مروان الدرقاش

رأيك في الموضوع