Arabic English French German Italian Spanish

الشريك قبل الحوار.. يا أحرار

لايُمكن لأي سياسي أن يستبعد إمكانية الجلوس مع كل الفرقاء مهما بلغت بينه وبينهم درجة الاختلاف ما دام الكل لا يرى عن الوطن بديلاً، ومادام الكل ملتزمًا بالخطوط الحمراء ولم يتجاوزها بحال من الأحوال، كل ذلك يجعل من الحوار أمرًا ممكنًا بل واجبًا وطنيّاً خاصة حين يكون الوطن على شفير الهاوية وقريبًا من التمزق وخارجًا من ثورة مسلحة دفع خلالها الشعب ثمنًا باهضًا وقدم التضحيات من الشهداء والجرحى ويتبعهم أضعافًا مضاعفه من الأيتام والأرامل والثكالى، غير أن الحوار لابد له من بديهيات وأولها على الإطلاق هو وجود طرف أو شريك يحمل همّ الوطن ويقدّر المخاطر المحيطة، وهي التي تجبره على التنازلات ابتداءً من الجلوس على طاولة الحوار إلي تقديم تنازلات مُرَّة أحيانًا وصعبة وتاريخية أحيانًا أخرى.


إن الناظر إلي الحالة الليبية لا يجد إلا طرفًا واحدًا تتوافر فيه صفات الشريك المسئول وهنا تكمن صعوبة فهم الحالة الليبية على كل الوسطاء بمن فيهم الوسيط الأممي، إذ المُروق والمراوغة والكذب والخداع صفات غير مستغربة في الحقل السياسي بكل أسف، ولكن أن يضاف إليها تمزيق الوطن والارتماء في حضن الانقلابيين في مصر ورؤوس الثورة المضادة بحيث يُصبح هذا الطرف فاقدًا للإرادة السياسية ولا يملك زمام أمره؛ حيث تأتيه الأوامر والنواهي من عرابي الثورة المضادة والذين يهمهم تكرار السيناريو المصري في ليبيا عبر الانقلاب العسكري، وعندما فشلوا قرروا إدخال البلاد في فوضى وحرب أهلية عبر دعم جنرال عجوز مهووس بالسلطة وهي حالة – حالة الطرف الآخر- تشبه الي حد كبير الحالة اللبنانية في تبعية كل الفرقاء السياسيين إلي قوى خارجية تتصارع فيما بينها وتتخذ من لبنان ساحة لتصفية حساباتها.


إن انعدام الإرادة السياسية عند أي طرف سياسي تفقده صفة الشريك في الحوار وسيكون الحوار عبارة عن جولات تسبق كل جلسة في العادة، وسيبقى مجرد تصعيد عسكري يموت فيه الكثير وتتسع فيه رقعة المعارك من أجل كسب أوراق للتفاوض على الطاولة، وهكذا يتم استحضار حالات الحوار بين الأعداء المتحاربين حين تكون الحرب بين دولتين إلي داخل الوطن الواحد وأبناء الوطن الواحد ويصبح قصف الأماكن الحيوية وقتل الأبرياء وحرق البيوت وغلق المطارات والموانئ أوراقًا للحوار، حينها لا يمكن في أي قاموس سياسي وطني أن نسمي من يقوم بهكذا جرائم شريكًا بل مجرمًا ينبغي إحضاره للعدالة لينال جزاءه العادل.


من وجهة نظري أنه ما كان لهذا الطرف - وليس الشريك في الوطن - أن يقوم بما قام به لو لم يكن قد أحرق كل أوراق الوطنية وراهن على خيار عودة المنظومة السابقة؛ إذ لا يمكن ولا يعقل أن يحدث هذا السيل من قرارات الخيانة ابتداءً من وصم ثلاث أرباع الشعب الليبي بالإرهاب الي إعطاء الضوء الأخضر لقتل الخصوم السياسيين إلي ضرب الأماكن الحيوية وحصار المدن وتدميرها على ساكنيها، وبالتالي لايمكن أيضًا تصور إقامة حوار وطني ناهيك عن نجاحه، والنتيجة هي ما نراه اليوم من استهتار بالحوار والداعين له وعدم الاكتراث به، على الرغم من أن الظاهر والمعطيات على الأرض تقول إن هذا الطرف – وليس الشريك في الوطن – هو الخاسر عسكريًا وهو المحاصر اقتصاديًا؛ حيث تعيش الرقعة التي يسيطر عليها في نقص حاد في كل المواد الأساسية وانقطاع يتواصل أيامًا في الكهرباء والمياه والبنزين والغاز، ومع ذلك كله هو لا يبالي بل يصر على تطبيق أجندة الدول الراعية للثورة المضادة والتي اختارت للحالة الليبية بعد فشل الانقلاب اختارت لها حالة الحرب الأهلية والتشظي الاجتماعي ولن تجد أفضل من هؤلاء الموجودين في طبرق من يطبق لها ما تريد وبعد ذلك كله نجد من طرف الثورة من يصفهم بالشركاء في الوطن وقابلية الحوار معهم.


أخيرًا: لابد من التعريج على الحل إذا كان هذا هو الحال من انعدام شريك حقيقي، يبقى الحل الآن هو الحفاظ على مكاسب الثورة وإثبات وجود الحكومة والمؤتمر وتأمين العاصمة وتقديم الخدمات الأساسية للمناطق التي تسيطر عليها الثورة ومحاولة إيجاد خيارات خارجية داعمة، أما الطرف الآخر- وليس شركاء الوطن – فينبغي استجلابهم للعدالة بتهمة القتل والخيانة العظمى وغير ذلك هو عبث وهو إعطاء فرص للتصعيد العسكري والمزيد من التقتيل والمزيد من توسيع دائرة الحرب وتبعاتها الاجتماعية والاقتصادية.


أحمد أبوشاح

21 شباط 2015 0 comment
(0 أصوات)
الشريك قبل الحوار.. يا أحرار

لايُمكن لأي سياسي أن يستبعد إمكانية الجلوس مع كل الفرقاء مهما بلغت بينه وبينهم درجة الاختلاف ما دام الكل لا يرى عن الوطن بديلاً، ومادام الكل ملتزمًا بالخطوط الحمراء ولم يتجاوزها بحال من الأحوال، كل ذلك يجعل من الحوار أمرًا ممكنًا بل واجبًا وطنيّاً خاصة حين يكون الوطن على شفير الهاوية وقريبًا من التمزق وخارجًا من ثورة مسلحة دفع خلالها الشعب ثمنًا باهضًا وقدم التضحيات من الشهداء والجرحى ويتبعهم أضعافًا مضاعفه من الأيتام والأرامل والثكالى، غير أن الحوار لابد له من بديهيات وأولها على الإطلاق هو وجود طرف أو شريك يحمل همّ الوطن ويقدّر المخاطر المحيطة، وهي التي تجبره على التنازلات ابتداءً من الجلوس على طاولة الحوار إلي تقديم تنازلات مُرَّة أحيانًا وصعبة وتاريخية أحيانًا أخرى.


إن الناظر إلي الحالة الليبية لا يجد إلا طرفًا واحدًا تتوافر فيه صفات الشريك المسئول وهنا تكمن صعوبة فهم الحالة الليبية على كل الوسطاء بمن فيهم الوسيط الأممي، إذ المُروق والمراوغة والكذب والخداع صفات غير مستغربة في الحقل السياسي بكل أسف، ولكن أن يضاف إليها تمزيق الوطن والارتماء في حضن الانقلابيين في مصر ورؤوس الثورة المضادة بحيث يُصبح هذا الطرف فاقدًا للإرادة السياسية ولا يملك زمام أمره؛ حيث تأتيه الأوامر والنواهي من عرابي الثورة المضادة والذين يهمهم تكرار السيناريو المصري في ليبيا عبر الانقلاب العسكري، وعندما فشلوا قرروا إدخال البلاد في فوضى وحرب أهلية عبر دعم جنرال عجوز مهووس بالسلطة وهي حالة – حالة الطرف الآخر- تشبه الي حد كبير الحالة اللبنانية في تبعية كل الفرقاء السياسيين إلي قوى خارجية تتصارع فيما بينها وتتخذ من لبنان ساحة لتصفية حساباتها.


إن انعدام الإرادة السياسية عند أي طرف سياسي تفقده صفة الشريك في الحوار وسيكون الحوار عبارة عن جولات تسبق كل جلسة في العادة، وسيبقى مجرد تصعيد عسكري يموت فيه الكثير وتتسع فيه رقعة المعارك من أجل كسب أوراق للتفاوض على الطاولة، وهكذا يتم استحضار حالات الحوار بين الأعداء المتحاربين حين تكون الحرب بين دولتين إلي داخل الوطن الواحد وأبناء الوطن الواحد ويصبح قصف الأماكن الحيوية وقتل الأبرياء وحرق البيوت وغلق المطارات والموانئ أوراقًا للحوار، حينها لا يمكن في أي قاموس سياسي وطني أن نسمي من يقوم بهكذا جرائم شريكًا بل مجرمًا ينبغي إحضاره للعدالة لينال جزاءه العادل.


من وجهة نظري أنه ما كان لهذا الطرف - وليس الشريك في الوطن - أن يقوم بما قام به لو لم يكن قد أحرق كل أوراق الوطنية وراهن على خيار عودة المنظومة السابقة؛ إذ لا يمكن ولا يعقل أن يحدث هذا السيل من قرارات الخيانة ابتداءً من وصم ثلاث أرباع الشعب الليبي بالإرهاب الي إعطاء الضوء الأخضر لقتل الخصوم السياسيين إلي ضرب الأماكن الحيوية وحصار المدن وتدميرها على ساكنيها، وبالتالي لايمكن أيضًا تصور إقامة حوار وطني ناهيك عن نجاحه، والنتيجة هي ما نراه اليوم من استهتار بالحوار والداعين له وعدم الاكتراث به، على الرغم من أن الظاهر والمعطيات على الأرض تقول إن هذا الطرف – وليس الشريك في الوطن – هو الخاسر عسكريًا وهو المحاصر اقتصاديًا؛ حيث تعيش الرقعة التي يسيطر عليها في نقص حاد في كل المواد الأساسية وانقطاع يتواصل أيامًا في الكهرباء والمياه والبنزين والغاز، ومع ذلك كله هو لا يبالي بل يصر على تطبيق أجندة الدول الراعية للثورة المضادة والتي اختارت للحالة الليبية بعد فشل الانقلاب اختارت لها حالة الحرب الأهلية والتشظي الاجتماعي ولن تجد أفضل من هؤلاء الموجودين في طبرق من يطبق لها ما تريد وبعد ذلك كله نجد من طرف الثورة من يصفهم بالشركاء في الوطن وقابلية الحوار معهم.


أخيرًا: لابد من التعريج على الحل إذا كان هذا هو الحال من انعدام شريك حقيقي، يبقى الحل الآن هو الحفاظ على مكاسب الثورة وإثبات وجود الحكومة والمؤتمر وتأمين العاصمة وتقديم الخدمات الأساسية للمناطق التي تسيطر عليها الثورة ومحاولة إيجاد خيارات خارجية داعمة، أما الطرف الآخر- وليس شركاء الوطن – فينبغي استجلابهم للعدالة بتهمة القتل والخيانة العظمى وغير ذلك هو عبث وهو إعطاء فرص للتصعيد العسكري والمزيد من التقتيل والمزيد من توسيع دائرة الحرب وتبعاتها الاجتماعية والاقتصادية.


أحمد أبوشاح

رأيك في الموضوع