Arabic English French German Italian Spanish

مذكرات متدين

لمّا نشأت كانت نظرتي للتدين في أن أقيم الصلاة والشعائر التعبدية بأركانها وأتشدد في تفاصيلها ودقائقها ، وأن أقتل الجزئيات بحثاً وتدقيقاً وتمحيصاً .

حتى أصبحتْ عندي هي المعيار الدقيق لمستوى التحصيل العلمي, بل ولمعرفة منسوب الإيمان والتقوى في قلب المرء فأخذت أقيس الناس قرباً وبعداً عن جادة الحق بها, حتى إنني كنت أرى ذلك الفتى الذي وضع علاماتٍ في الأرض لمواضع يديه ورأسه وركبتيه لكي يهوي عليها في صلاته ولكي تأخذ المسافة الشرعية هو الأهدى إلى سواء السبيل ..

غُصت في (بلوغ المرام) ، وأذكر أنني اجتهدت في كتابة مذكرة شارحه لـ(زاد المستقنع ) خططتها بيدي ، بعد ما أرهقتني حاشية الصاوي بهوامشها ، وكبلت نفسي وذهني بالقيود عندما قرأت مباحث النية للشافعية ..
وأعيتني الأرقام وأعداد القمل والحشرات التي كنت أحفظها في مراجع المالكية عندما تتناثر من وجه الحاج ورأسه وأراد أن يبعد أذاها ويقتلها وهو محرم ..
كان منتهى أملي أن أعرف هل نزل النبي عليه الصلاة والسلام على يديه أم ركبتيه في سجوده؟!
نعم كنت فيمن يردد أن الأصل في الأشياء الإباحة ، ولكني اتخذت من التحريم منطلقاً وأصلاً لكي يكون هوساً أقعدني عن العمل والتفكير ..
سلوكي كان يتجسد في كلمات مخصوصة ومظاهر معينة أرى فيها الدين الصراح ...
كان يدور في خلدي ســؤال كلما طرأت مسألة من مسائل الخلاف وأخذ صاحبها بالقول الأيسر ....... ما هـــذا ؟ وكــيف يحصل ذلك ؟
هــو ذاك لماذا أخذ بالقول المجيز للمعازف ؟ أليس هذا تملصاً وانفلاتاً من الأحاديث الواردة في سياق التحريم والوعيد بالويل والثبور ؟ كيف تركها لتلك الأقوال التي تقول بأن الأحاديث بعضها معلق لا يصح وبعضها الآخر لا ينص صراحة على التحريم والآخر به صارف عن التحريم ؟
ألا يتملص صاحبي من هذه الضوابط والخطوط الحمراء حتى صار الأمر كــلعبةٍ يميع قوانينها فأصبحت لا تستثير كوامن النفس في المواصلة والتحدي .
كيف يضرب صاحبي بكل هذه الصفحات والمجلدات التي أُلِّــفَـت عرض الحائط ويعدلُ عنها إلى أقوالٍ أخرى .
ثم بدأت مداركي تتوسع، واحتكاكي بأقراني يزيد، ومغالبة الحياة في متاعبها تكثر وتتراكم ، حتى كان كل يوم في هذه الحياة مدرسةً لا تعطيك المعلومة فقط بل تجعلك تمارسها فتغدو قادحة في نفسك وإن عجزت عن التعبير عنها .
إلى أن انفلق لي طود عظيم فرأيت مجاله وسبحت في أكنافه ؛ فوجدت من وراء ما كنت فيه أرض الله الواسعة ، وأن الشريعة بأحكامها ترمي إلى مقاصد عظمى لتصب تغذيةً في قيم الإسلام الكبرى .
نعم .. هي قيم الإسلام وأخلاقه أكبر من أن تُختصر في اختلافات فقهية وتُحصر في نظرات ضيقة متأثرةً بـعصور ونفسيات ومعايش كثيرٍ ممن كتبوها .

يا الله كيف ضاع هذا الردح من الزمن وهذا الوقت من العمر في مسائل كهذه ظلْتُ ألوكها وأبحث فيها بل وأُقِيمُ وأقعد الدنيا من أجلها .
أين كانت هذه الروزنة التي انفتحت لي حتى أرى هذا الإخاء والإيثار والعدل والحرية ومساعدة الآخرين ومحبتهم قيماً للإسلام ، نعم فمن أجل هذه القيم ندخل النار أو ننعم بالجنان .
ليس كما ظهر لي من قبل من أجل سروالٍ نصل أسفل العرقوب ، بل هو التكبر على الناس وغمط حقوقهم والترفع عليهم .
نعم هذه القيم هي الأولى بأن نصرف جلّ أوقاتنا في دراستها وفحصها وإسقاطها على واقعنا
لو أنفقتُ عمري كله ومثله معه ما كفاني أن أعالج نفسي وأغالبها كي تكون طيعةً لهذه القيم ، وقافةً عند حدودها .
أجزمُ أنّني سآخذ أضعاف أضعاف ما أخذته في دراسة هذه المسائل والعكوف عليها لمحو ما قدمت، وآثارها من الجدال والحرص على إظهار الآخر بمظهر المهزوم المميع للدين ، والظهور بمظهر المنتصر المحافظ على الشريعة والحامي لها .
أحتاج لوقت لرأْبِ ما صدعتْ ، ولِلأْمِ ما فتقتْ لقد أهملتها فكانت تكبر حتى غدتْ حالقةً للقيم والأخلاق من حيث أدري ولا أدري .

الآن آمنت بأن الإسلام هـــو : أن تحب أخاك بقلبك وأن تسرف في حبّه ومساعدته أوْلى من أن تسرف في مراقبة حركة سبّابته في الصلاة.

 

أحمد الدايخ

22 شباط 2015 1 تعليق
(0 أصوات)
مذكرات متدين

لمّا نشأت كانت نظرتي للتدين في أن أقيم الصلاة والشعائر التعبدية بأركانها وأتشدد في تفاصيلها ودقائقها ، وأن أقتل الجزئيات بحثاً وتدقيقاً وتمحيصاً .

حتى أصبحتْ عندي هي المعيار الدقيق لمستوى التحصيل العلمي, بل ولمعرفة منسوب الإيمان والتقوى في قلب المرء فأخذت أقيس الناس قرباً وبعداً عن جادة الحق بها, حتى إنني كنت أرى ذلك الفتى الذي وضع علاماتٍ في الأرض لمواضع يديه ورأسه وركبتيه لكي يهوي عليها في صلاته ولكي تأخذ المسافة الشرعية هو الأهدى إلى سواء السبيل ..

غُصت في (بلوغ المرام) ، وأذكر أنني اجتهدت في كتابة مذكرة شارحه لـ(زاد المستقنع ) خططتها بيدي ، بعد ما أرهقتني حاشية الصاوي بهوامشها ، وكبلت نفسي وذهني بالقيود عندما قرأت مباحث النية للشافعية ..
وأعيتني الأرقام وأعداد القمل والحشرات التي كنت أحفظها في مراجع المالكية عندما تتناثر من وجه الحاج ورأسه وأراد أن يبعد أذاها ويقتلها وهو محرم ..
كان منتهى أملي أن أعرف هل نزل النبي عليه الصلاة والسلام على يديه أم ركبتيه في سجوده؟!
نعم كنت فيمن يردد أن الأصل في الأشياء الإباحة ، ولكني اتخذت من التحريم منطلقاً وأصلاً لكي يكون هوساً أقعدني عن العمل والتفكير ..
سلوكي كان يتجسد في كلمات مخصوصة ومظاهر معينة أرى فيها الدين الصراح ...
كان يدور في خلدي ســؤال كلما طرأت مسألة من مسائل الخلاف وأخذ صاحبها بالقول الأيسر ....... ما هـــذا ؟ وكــيف يحصل ذلك ؟
هــو ذاك لماذا أخذ بالقول المجيز للمعازف ؟ أليس هذا تملصاً وانفلاتاً من الأحاديث الواردة في سياق التحريم والوعيد بالويل والثبور ؟ كيف تركها لتلك الأقوال التي تقول بأن الأحاديث بعضها معلق لا يصح وبعضها الآخر لا ينص صراحة على التحريم والآخر به صارف عن التحريم ؟
ألا يتملص صاحبي من هذه الضوابط والخطوط الحمراء حتى صار الأمر كــلعبةٍ يميع قوانينها فأصبحت لا تستثير كوامن النفس في المواصلة والتحدي .
كيف يضرب صاحبي بكل هذه الصفحات والمجلدات التي أُلِّــفَـت عرض الحائط ويعدلُ عنها إلى أقوالٍ أخرى .
ثم بدأت مداركي تتوسع، واحتكاكي بأقراني يزيد، ومغالبة الحياة في متاعبها تكثر وتتراكم ، حتى كان كل يوم في هذه الحياة مدرسةً لا تعطيك المعلومة فقط بل تجعلك تمارسها فتغدو قادحة في نفسك وإن عجزت عن التعبير عنها .
إلى أن انفلق لي طود عظيم فرأيت مجاله وسبحت في أكنافه ؛ فوجدت من وراء ما كنت فيه أرض الله الواسعة ، وأن الشريعة بأحكامها ترمي إلى مقاصد عظمى لتصب تغذيةً في قيم الإسلام الكبرى .
نعم .. هي قيم الإسلام وأخلاقه أكبر من أن تُختصر في اختلافات فقهية وتُحصر في نظرات ضيقة متأثرةً بـعصور ونفسيات ومعايش كثيرٍ ممن كتبوها .

يا الله كيف ضاع هذا الردح من الزمن وهذا الوقت من العمر في مسائل كهذه ظلْتُ ألوكها وأبحث فيها بل وأُقِيمُ وأقعد الدنيا من أجلها .
أين كانت هذه الروزنة التي انفتحت لي حتى أرى هذا الإخاء والإيثار والعدل والحرية ومساعدة الآخرين ومحبتهم قيماً للإسلام ، نعم فمن أجل هذه القيم ندخل النار أو ننعم بالجنان .
ليس كما ظهر لي من قبل من أجل سروالٍ نصل أسفل العرقوب ، بل هو التكبر على الناس وغمط حقوقهم والترفع عليهم .
نعم هذه القيم هي الأولى بأن نصرف جلّ أوقاتنا في دراستها وفحصها وإسقاطها على واقعنا
لو أنفقتُ عمري كله ومثله معه ما كفاني أن أعالج نفسي وأغالبها كي تكون طيعةً لهذه القيم ، وقافةً عند حدودها .
أجزمُ أنّني سآخذ أضعاف أضعاف ما أخذته في دراسة هذه المسائل والعكوف عليها لمحو ما قدمت، وآثارها من الجدال والحرص على إظهار الآخر بمظهر المهزوم المميع للدين ، والظهور بمظهر المنتصر المحافظ على الشريعة والحامي لها .
أحتاج لوقت لرأْبِ ما صدعتْ ، ولِلأْمِ ما فتقتْ لقد أهملتها فكانت تكبر حتى غدتْ حالقةً للقيم والأخلاق من حيث أدري ولا أدري .

الآن آمنت بأن الإسلام هـــو : أن تحب أخاك بقلبك وأن تسرف في حبّه ومساعدته أوْلى من أن تسرف في مراقبة حركة سبّابته في الصلاة.

 

أحمد الدايخ

1 تعليق

  • Olga 28 تموز/يوليو 2017

    I am really impressed with your writing abilities and also with the layout to your weblog.
    Is this a paid topic or did you modify it your
    self? Anyway stay up the nice high quality writing, it's uncommon to see a great blog like this one nowadays..

رأيك في الموضوع