Arabic English French German Italian Spanish

بن عثمان

تخليداً لذكرى الشهيد محمد بن عثمان ووفاءً له ولأسرته وجدت كلماتي طريقها في جرة قلمٍ مكلومٍ يحكي لوعة الفاجعة، فتجرأت على كتابة هذه الكلمات في حق هذا الطود الشامخ، وزادي فيها الحب لا الحروف ولا الكلمات، وهو ما أوجب عليَّ أن أمتطي صهوة القلم والفكر في آنٍ واحدٍ؛ غير أن خصاله ومناقبه لم تبقِ ما يحفظ ماء وجه قلمي الذي تعثر في تهجّي كلمات هي أكبر منه.


"داخل أسوار الوطن كان يقفُ الشيخ بكل ثبات، وكعادة أبطال التاريخ تقدم بخطواته الواثقة إلى الأمام بكل جسارةٍ وإقدامٍ، يطارد وهم الخوف الذي أرهق الوطن أربعين عاما.. كان يعلم أن للوطنيين الشرفاء قولاً ورأياً آخر خارج دائرة ذلك الخوف المفزع.


لم يخشَ في الله لومة لائم أو بطش متجبرٍ ظلومٍ .. كان ينظر إلى وطنه بقلب وعقل وفكر وإيمان صادق .. آمن بقضاء الله وقدره فلم تخفْه عواصف الأيام ولم تثنه زوابع السنين..لم ترهبه أعاصير الحاكم ..لم تغوهِ غانيات السلطة والمال .. لم يعترف بإشارات الممنوع إذا ما تعلق الأمر بدين الله والوطن.. زرع بذرة الخير في أرض الله الواسعة فانفلقت نواتها وصارت شجرة عظيمة استظل بظلها المحرومون من البؤساء وذوي الحاجة والفاقة .. مخر بسفينة الأمل عُباب اليأس والقنوط فغرقت وماتت كل شياطين التعاسة .. كان كالحلم الجميل الذي يقف على بساط حقيقة مستعص قولها، مسح الدموع من على أعمدة شموع الحزن المحترقة، وعزف بأنامله لحن الخلود الشجي على وتر الفناء، وبعث فيه الروح من جديد.


لكنه الرحيل سيدي .. رسم لوحاته بإتقان على الشواطئ الآمنة، حين تحركت بوارج الموت ، وأنت عائد من صلاة ذلك الظهر الذي كتب نهاية فصول صفحاتك العطرة. فقُرعت نواقيس الصمت بيد مرتعشة .. وتخبطت عصفورة الوطن ألماً وهى تراقب سكاكين القدر المحتوم تنحرك، ليندفع دمك الزكي من الودجين يهدر، يكتب فصول ملحمةٍ على ترابِ أرضٍ هي الأروع ...يهمس لحباتها قصة وصوله من تلال النبل والشهامة التي جُبلت على عشق وطنٍ تجرعت حبه حتى الثمالة.. حكى عن حشرجة صوتك وأنت تلفظ أنفاسك الأخيرة تكبر الله (الله أكبر) ثم كيف خفت ذاك الصوت الجهوري الرخيم وكيف خلدت من بعده جوارحك إلى هدوء لم تعتده.


أمام نافذة ذكراك نقف سيدي .. نحملق في زواياها ونحن نعلم أن هناك شمسا خلف أبوابها قد اختارت الكسوف كرها والرحيل فجأة إلى ضفة أخرى بعد ان ابتلعها غول الغدر وحرمنا من النظر إليها والتمتع بضيائها المشع أملا ومعانقة لخيوطها المتوهجة دفئا .. في ذكراك سيدي يضيق الصدر ويتلعثم اللسان وتغادر القريحة وتنتحر كل الكلمات، وتنهمر الدموع إلى صفحات الخدود وهي تحكي لوعة فراق حبيب طال غيابه..ذلك الغياب الذي أنطق صمت الحروف وصيّر غموض الأحداث لاحباً.. فلا القراءة الأولى لحادثة استشهادك كشفت لنا سابقاً عن ذاريات الواقع ولا الثانية عكست بوضوحٍ حاملات النوايا .. غير أن فجر الحقيقة آتٍ لامحالة...
سيدي .. فقيد الوطن
من هنا إلى إن نلتقي سأولي وجهي شطر الوطن وأتلو في محرابه تراتيل رجولتك وخصالك وأنا أمضغ جمر الفراق على امتداد مسافات الغياب. ولكن ابتساماتنا حتما لن تموت أو تختفي من على شفاهنا، ولن يقبع حبنا للوطن صاغراً في القلوب .. بل سيسمع وسيرى وسينطق بكل الحروف..
رحمك الله شيخنا العزيز وجمعنا بك في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر، إنا لله وإنا إليه راجعون.


محمد الخمارية

 

22 شباط 2015 0 comment
(0 أصوات)
بن عثمان

تخليداً لذكرى الشهيد محمد بن عثمان ووفاءً له ولأسرته وجدت كلماتي طريقها في جرة قلمٍ مكلومٍ يحكي لوعة الفاجعة، فتجرأت على كتابة هذه الكلمات في حق هذا الطود الشامخ، وزادي فيها الحب لا الحروف ولا الكلمات، وهو ما أوجب عليَّ أن أمتطي صهوة القلم والفكر في آنٍ واحدٍ؛ غير أن خصاله ومناقبه لم تبقِ ما يحفظ ماء وجه قلمي الذي تعثر في تهجّي كلمات هي أكبر منه.


"داخل أسوار الوطن كان يقفُ الشيخ بكل ثبات، وكعادة أبطال التاريخ تقدم بخطواته الواثقة إلى الأمام بكل جسارةٍ وإقدامٍ، يطارد وهم الخوف الذي أرهق الوطن أربعين عاما.. كان يعلم أن للوطنيين الشرفاء قولاً ورأياً آخر خارج دائرة ذلك الخوف المفزع.


لم يخشَ في الله لومة لائم أو بطش متجبرٍ ظلومٍ .. كان ينظر إلى وطنه بقلب وعقل وفكر وإيمان صادق .. آمن بقضاء الله وقدره فلم تخفْه عواصف الأيام ولم تثنه زوابع السنين..لم ترهبه أعاصير الحاكم ..لم تغوهِ غانيات السلطة والمال .. لم يعترف بإشارات الممنوع إذا ما تعلق الأمر بدين الله والوطن.. زرع بذرة الخير في أرض الله الواسعة فانفلقت نواتها وصارت شجرة عظيمة استظل بظلها المحرومون من البؤساء وذوي الحاجة والفاقة .. مخر بسفينة الأمل عُباب اليأس والقنوط فغرقت وماتت كل شياطين التعاسة .. كان كالحلم الجميل الذي يقف على بساط حقيقة مستعص قولها، مسح الدموع من على أعمدة شموع الحزن المحترقة، وعزف بأنامله لحن الخلود الشجي على وتر الفناء، وبعث فيه الروح من جديد.


لكنه الرحيل سيدي .. رسم لوحاته بإتقان على الشواطئ الآمنة، حين تحركت بوارج الموت ، وأنت عائد من صلاة ذلك الظهر الذي كتب نهاية فصول صفحاتك العطرة. فقُرعت نواقيس الصمت بيد مرتعشة .. وتخبطت عصفورة الوطن ألماً وهى تراقب سكاكين القدر المحتوم تنحرك، ليندفع دمك الزكي من الودجين يهدر، يكتب فصول ملحمةٍ على ترابِ أرضٍ هي الأروع ...يهمس لحباتها قصة وصوله من تلال النبل والشهامة التي جُبلت على عشق وطنٍ تجرعت حبه حتى الثمالة.. حكى عن حشرجة صوتك وأنت تلفظ أنفاسك الأخيرة تكبر الله (الله أكبر) ثم كيف خفت ذاك الصوت الجهوري الرخيم وكيف خلدت من بعده جوارحك إلى هدوء لم تعتده.


أمام نافذة ذكراك نقف سيدي .. نحملق في زواياها ونحن نعلم أن هناك شمسا خلف أبوابها قد اختارت الكسوف كرها والرحيل فجأة إلى ضفة أخرى بعد ان ابتلعها غول الغدر وحرمنا من النظر إليها والتمتع بضيائها المشع أملا ومعانقة لخيوطها المتوهجة دفئا .. في ذكراك سيدي يضيق الصدر ويتلعثم اللسان وتغادر القريحة وتنتحر كل الكلمات، وتنهمر الدموع إلى صفحات الخدود وهي تحكي لوعة فراق حبيب طال غيابه..ذلك الغياب الذي أنطق صمت الحروف وصيّر غموض الأحداث لاحباً.. فلا القراءة الأولى لحادثة استشهادك كشفت لنا سابقاً عن ذاريات الواقع ولا الثانية عكست بوضوحٍ حاملات النوايا .. غير أن فجر الحقيقة آتٍ لامحالة...
سيدي .. فقيد الوطن
من هنا إلى إن نلتقي سأولي وجهي شطر الوطن وأتلو في محرابه تراتيل رجولتك وخصالك وأنا أمضغ جمر الفراق على امتداد مسافات الغياب. ولكن ابتساماتنا حتما لن تموت أو تختفي من على شفاهنا، ولن يقبع حبنا للوطن صاغراً في القلوب .. بل سيسمع وسيرى وسينطق بكل الحروف..
رحمك الله شيخنا العزيز وجمعنا بك في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر، إنا لله وإنا إليه راجعون.


محمد الخمارية

 

رأيك في الموضوع