Arabic English French German Italian Spanish

ليبيا ونزاع الشرعية

جاءت عملية فجر ليبيا في العاصمة طرابلس بعد الشعور المتنامي من غالبية الثوار أن ثورة فبراير قد سُرقت وأخذت تحيد عن مسارها بفعل الصراع السياسي المحتدم بين تيار الثورة الضعيف وتيار الثورة المضادة القوي وتجلى هذا الانحراف واضحاً في ممارسات كتائب الثورة المضادة في العاصمة من إخلال واضح بالأمن وتعدي على مؤسسات الدولية الشرعية مما حذا بالمؤتمر الوطني العام بالتسليم بأمر إنهاء شرعيته وإجراء تعديل دستوري يسمح بانتخاب جسم تشريعي جديد يكمل مسيرة المرحلة الانتقالية ويستكمل استحقاقات بناء الدولة.


ولكن مالم يخطر على بال أحد في تلك الفترة أن يستعجل أرباب الثورة المضادة والانقلابيين الانقضاض على مسار فبراير ويعارضوا الشرعية الدستورية بتغييرهم مكان انعقاد جلسات مجلس النواب وتجاهل إجراءات التسليم والاستلام المنصوص عليها في الاعلان الدستوري مما برز معه صراع تنازع الشرعية الذي تزامن مع انطلاق عملية فجر ليبيا التي استهدفت القضاء على الجناح العسكري للثورة المضادة.


وبرزت عودة المؤتمر الوطني العام بالانعقاد من جديد كمؤشر واضح على نزاع الشرعية الذي احتدم فيما بعد خاصةً بعد حدوث الاستقطاب السياسي والجغرافي في ليبيا بانحياز تيار الثورة المضادة إلى المنطقة الشرقية والالتفاف على مجلس طبرق وتدعيم تيار الثورة لمواقعه في الغرب ليبيا حول العاصمة طرابلس وإعادة الشرعية من جديد للمؤتمر الوطني العام.


في هذه المرحلة برزت الخصومة القضائية التي أثارها نائب البرلمان المقاطع عبدالرؤوف المناعي وعضو المؤتمر الوطني خالد المشري كعنصر مهم من عناصر نزاع الشرعية حين كان الطعن الدستوري في جلسات مجلس النواب وشرعية انعقاده وانتخابه يشكل مساراً جديداً لنزاع الشرعية ويضع المؤتمر الوطني العام ومجلس النواب أمام اختبار حقيقي يقيس درجة دستورية كل منهما وقانونية وجوده وعمله.


وطيلة ثلاثة أشهر استمر فيه الجدل القانوني حول هذه القضية كان الليبيون خلالها يخوضون سجالات قانونية وسياسية حول مشروعية كل جسم تشريعي وأخذت هذه السجالات تعمّق الخلاف والاستقطاب بين الليبيين ليتعدى هذا الاستقطاب الليبيين ليشمل المجتمع الدولي نفسه الذي وجد نفسه طرفاً في صراع الشرعية بين الليبيين.
إن المنعطف الكبير الذي شكله صدور حكم الدائرة الدستورية في المحكمة العليا بحل مجلس النواب المنتخب لعدم دستورية الفقرة التي كانت سبباً في انتخاب المجلس وبالرغم من أنه كان من المفترض أن ينهي هذا النزاع ويحسم الجدل القائم حول الشرعية إلا أنه لم يساهم بحل هذا الإشكال نتيجة عدم قبول أعضاء مجلس النواب المنحل بهذا الحكم مدعين عدم نزاهته وحياديته واستقلاله ليترتب على ذلك زيادة في الشرخ وعمقاً في الأزمة خاصةً مع الموقف المتخاذل من المجتمع الدولي الذي ظهر جلياً نفاقه وعدم جديته في احترام مؤسسات الدولة القضائية.


إن الموقف الدولي المتخاذل من حكم المحكمة العليا زاد من حدة الاستقطاب وأعطى دلالات خاطئة للطرف الرافض للحكم أنه مدعوم دولياً ضد خصومه مما زاد من تعنته وإصراره على رفض الحكم القضائي وكثّف من عملياته العسكرية المتمثلة في القصف الجوي الذي بدأ يطال المدن الغربية بعد أن كان منحصراً في بنغازي وما حولها وهذه العمليات كانت تجري بمساعدة دول إقليمية وعربية.


ولكن مع هذا الاستقطاب والنزاع على الشرعية إلا أنه ظل حتى هذه النقطة محصوراً بين تيار الثورة المتمثل في ثوار عملية فجر ليبيا وممثله السياسي المؤتمر الوطني العام وبين تيار الثورة المضادة المتمثل ما يسمى عملية الكرامة وممثلها السياسي مجلس النواب المنحل.


إن بروز الخلاف السياسي حول قضية الحوار الوطني وهو خلاف شمل جميع شرائح المجتمع الليبي من الثوار إلى السياسيين إلى الحراك الشعبي ومؤسسات المجتمع المدني هو ما فاقم نزاع الشرعية في ليبيا وجعل وثيرته ترتفع بشكل كبير ليزداد عدد الأطراف التي تدعي الشرعية حيث انقسم تيار الثورة المضادة ما بين مجلس نواب منحل لا يعترف بحكم القضاء ويتمسك بنتائج انتخابات يراها نزيهة وديمقراطيةو بين تيار المجلس العسكري الذي يرى أن حكم القضاء قد أضعف مجلس النواب المنحل فأصبح عبئاً على عملية الكرامة وسبباً في انخفاض التأييد الدولي لهذا التيار خاصةً مع تغير موقف مبعوث الأمم المتحدة حيث عاد ليجتمع برئاسة المؤتمر الوطني العام في طرابلس ويدعو لأن يكون المؤتمر طرفاً في الحوار بين الليبيين.


وهكذا برز تيارٌ من داخل الثورة المضادة يدعو إلى حل مجلس النواب المنحل أصلاً وتشكيل مجلساً عسكرياً أعلى يتولى إدارة البلاد فيما تبقى من المرحلة الانتقالية ويقوم بالتجهيز للمرحلة المستقرة وهذا مما فاقم الاستقطاب والنزاع على الشرعية في المنطقة الشرقية وأدخل البلاد في منعطف جديد أضعف الثورة المضادة وقلل من فرص نجاحها.


ولكن تيار الثورة لم يسلم من عواصف الانشقاق ونزاع الشرعية أيضاً فتيار الثورة ظهر أنه غير مجمع على المؤتمر الوطني العام بالرغم أنه قد جرت مطالبات شعبية من خلال الحراك الشعبي إلى عودة المؤتمر عقب انتصار فجر ليبيا كما أن حكم القضاء قد قوى هذه الشرعية وجعلها غير قابلة للنقاش داخل تيار الثورة ولكن الاطمئنان الذي ساد أوساط تيار الثورة بعد حكم المحكمة جعل البعض يلتفت لتقييم أداء المؤتمر ويرنو ببصره إلى محاولة تغييره بجسم أقوى وأفضل أداءً.


ولعل محاولة المجالس البلدية للمدن التي تنتمي لفجر ليبيا تشكيل المجلس الأعلى للبلديات كان محاولة جادة لإسقاط المؤتمر الوطني العام وانتزاع شرعيته التي لازالت تستمد قوتها من الإعلان الدستوري وأحكام القضاء.


ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل تجاوزه لتقوم هذه المجالس البلدية بالضغط والتأثير على قرارات حكومة الإنقاذ وفرض إملاءاتها على الحكومة بتعيين الوزراء والوكلاء وفرض قرارات وسلوكيات تتفق مع رغبات هذه المجالس.


ولم يقتصر هذا الأمر على المجالس البلدية فحسب ولكن تعداه ليشمل بعض التشكيلات المنتمية للثوار مثل لجنة تصحيح المسار ولجنة ال17 والمجلس الأعلى لثوار ليبيا وغيرها من المسميات التي كانت تحوم حول مقر رئيس حكومة الإنقاذ وتقوم بفرض إملاءاتها والشخصيات التي ترغب في توظيفها بقوة السلاح وبمنطق القوة دون أن يكون للحكومة الضعيفة أي فرصة للمقاومة أو التملص.


وتجلى هذا النزاع واضحاً في الموقف من حوار جنيف حيث أن المؤتمر وهو الممثل السياسي لتيار فجر ليبيا تردد في المشاركة نتيجة امتعاضه من اختيارات ليون للمكان والزمان والآلية والشخصيات سارع المجلس البلدي لمدينة مصراتة إلى إعلان موافقته على المشاركة متخطياً بذلك شرعية المؤتمر بإشارةٍ واضحة أنه لا يعترف بشرعيته ولا يراه ممثلاً له وبذلك تعود المجالس البلدية إلى صراع الشرعية الذي بدأته بإعلانها المجلس الأعلى للبلديات وتعمل على إسقاط شرعية الجسم الذي نادى به ثوار فجر ليبيا عقب تحرير العاصمة طرابلس من كتائب الثورة المضادة.


لعل سبب هذا النزاع الذي يخوض غماره الليبيون هو حداثة العهد بدولة المؤسسات والقانون والممارسة الديمقراطية النزيهة التي أساسها احترام إفرازات صندوق الاقتراع واحترام المؤسسات الدستورية والأحكام القضائية.


فمنذ أن أُنتخب المؤتمر الوطني العام بشكل دستوري واستلم السلطة من المؤتمر الوطني بشكل سلمي وسلس لم يتكرر هذا المشهد في ليبيا مرة أخرى فعدم احترام قواعد العملية السياسية وأحكام القضاء هو ما أدخل ليبيا في هذا المنزلق الخطير من نزاع الشرعية والذي يؤسس لسوابق خطيرة قد تظل أساسات يتم البناء الخاطئ عليها في المستقبل.


يجب أن يتقبل الليبيون قواعد العمل السياسي تحت مظلة القضاء الدستوري ويتعلموا أن يُذعنوا لما يفرزه صندوق الاقتراع وما تقرره أحكام القضاء حتى يمكن أن يؤسسوا دولة المؤسسات التي طالما ادعوا أنهم يسعون لتحقيقها.


ولعل في سابقة قبول المؤتمر الوطني العام بحكم المحكمة الدستورية بإلغاء انتخاب السيد أحمد معيتيق رئيساً للحكومة خلفاً لعلي زيدان نبراساً منيراً كان يمكن أن يؤسس لممارسة ديمقراطية وسياسية ناجحة لو أنه تكرر أيضاً في قبول حكم المحكمة بحل مجلس النواب.


إذا كان الليبيون فعلاً يسعون لبناء دولة تقوم على مؤسسات دستورية وقانونية نزيهة وفاعلة فعليهم أن يروضوا أنفسهم على قبول مخرجات هذه المؤسسات وأن يستهجنوا كل من ينقلب على الشرعية الدستورية ويرفض تنفيذ الأحكام القضائية كما أنهم يحتاجون إلى أن يمارسوا مهامهم الموكلة إليهم من خلال النصوص الدستورية والقانونية دون زيادةٍ أو نقصانٍ فلا يمكن لجسم تنفيذي محلي أن يحل محل سلطة تشريعية وطنية حتى لو كان منتخباً، فاحترام القانون الذي تم انتخابه على أساسه هو أساس نجاحه واستمراره.
عندما يتعلم الليبيون أساليب الممارسة السياسية الصحيحة وعندما يحترمون قرارات المؤسسات القضائية وينقادون للشرعية الدستورية دون إخلال أو تلاعب عندها فقط يمكن أن يطمئنوا إلى بناء مستقبل زاهر لهم وللأجيال الآتية من بعدهم.

 

مروان الدرقاش

22 شباط 2015 1 تعليق
(0 أصوات)
ليبيا ونزاع الشرعية

جاءت عملية فجر ليبيا في العاصمة طرابلس بعد الشعور المتنامي من غالبية الثوار أن ثورة فبراير قد سُرقت وأخذت تحيد عن مسارها بفعل الصراع السياسي المحتدم بين تيار الثورة الضعيف وتيار الثورة المضادة القوي وتجلى هذا الانحراف واضحاً في ممارسات كتائب الثورة المضادة في العاصمة من إخلال واضح بالأمن وتعدي على مؤسسات الدولية الشرعية مما حذا بالمؤتمر الوطني العام بالتسليم بأمر إنهاء شرعيته وإجراء تعديل دستوري يسمح بانتخاب جسم تشريعي جديد يكمل مسيرة المرحلة الانتقالية ويستكمل استحقاقات بناء الدولة.


ولكن مالم يخطر على بال أحد في تلك الفترة أن يستعجل أرباب الثورة المضادة والانقلابيين الانقضاض على مسار فبراير ويعارضوا الشرعية الدستورية بتغييرهم مكان انعقاد جلسات مجلس النواب وتجاهل إجراءات التسليم والاستلام المنصوص عليها في الاعلان الدستوري مما برز معه صراع تنازع الشرعية الذي تزامن مع انطلاق عملية فجر ليبيا التي استهدفت القضاء على الجناح العسكري للثورة المضادة.


وبرزت عودة المؤتمر الوطني العام بالانعقاد من جديد كمؤشر واضح على نزاع الشرعية الذي احتدم فيما بعد خاصةً بعد حدوث الاستقطاب السياسي والجغرافي في ليبيا بانحياز تيار الثورة المضادة إلى المنطقة الشرقية والالتفاف على مجلس طبرق وتدعيم تيار الثورة لمواقعه في الغرب ليبيا حول العاصمة طرابلس وإعادة الشرعية من جديد للمؤتمر الوطني العام.


في هذه المرحلة برزت الخصومة القضائية التي أثارها نائب البرلمان المقاطع عبدالرؤوف المناعي وعضو المؤتمر الوطني خالد المشري كعنصر مهم من عناصر نزاع الشرعية حين كان الطعن الدستوري في جلسات مجلس النواب وشرعية انعقاده وانتخابه يشكل مساراً جديداً لنزاع الشرعية ويضع المؤتمر الوطني العام ومجلس النواب أمام اختبار حقيقي يقيس درجة دستورية كل منهما وقانونية وجوده وعمله.


وطيلة ثلاثة أشهر استمر فيه الجدل القانوني حول هذه القضية كان الليبيون خلالها يخوضون سجالات قانونية وسياسية حول مشروعية كل جسم تشريعي وأخذت هذه السجالات تعمّق الخلاف والاستقطاب بين الليبيين ليتعدى هذا الاستقطاب الليبيين ليشمل المجتمع الدولي نفسه الذي وجد نفسه طرفاً في صراع الشرعية بين الليبيين.
إن المنعطف الكبير الذي شكله صدور حكم الدائرة الدستورية في المحكمة العليا بحل مجلس النواب المنتخب لعدم دستورية الفقرة التي كانت سبباً في انتخاب المجلس وبالرغم من أنه كان من المفترض أن ينهي هذا النزاع ويحسم الجدل القائم حول الشرعية إلا أنه لم يساهم بحل هذا الإشكال نتيجة عدم قبول أعضاء مجلس النواب المنحل بهذا الحكم مدعين عدم نزاهته وحياديته واستقلاله ليترتب على ذلك زيادة في الشرخ وعمقاً في الأزمة خاصةً مع الموقف المتخاذل من المجتمع الدولي الذي ظهر جلياً نفاقه وعدم جديته في احترام مؤسسات الدولة القضائية.


إن الموقف الدولي المتخاذل من حكم المحكمة العليا زاد من حدة الاستقطاب وأعطى دلالات خاطئة للطرف الرافض للحكم أنه مدعوم دولياً ضد خصومه مما زاد من تعنته وإصراره على رفض الحكم القضائي وكثّف من عملياته العسكرية المتمثلة في القصف الجوي الذي بدأ يطال المدن الغربية بعد أن كان منحصراً في بنغازي وما حولها وهذه العمليات كانت تجري بمساعدة دول إقليمية وعربية.


ولكن مع هذا الاستقطاب والنزاع على الشرعية إلا أنه ظل حتى هذه النقطة محصوراً بين تيار الثورة المتمثل في ثوار عملية فجر ليبيا وممثله السياسي المؤتمر الوطني العام وبين تيار الثورة المضادة المتمثل ما يسمى عملية الكرامة وممثلها السياسي مجلس النواب المنحل.


إن بروز الخلاف السياسي حول قضية الحوار الوطني وهو خلاف شمل جميع شرائح المجتمع الليبي من الثوار إلى السياسيين إلى الحراك الشعبي ومؤسسات المجتمع المدني هو ما فاقم نزاع الشرعية في ليبيا وجعل وثيرته ترتفع بشكل كبير ليزداد عدد الأطراف التي تدعي الشرعية حيث انقسم تيار الثورة المضادة ما بين مجلس نواب منحل لا يعترف بحكم القضاء ويتمسك بنتائج انتخابات يراها نزيهة وديمقراطيةو بين تيار المجلس العسكري الذي يرى أن حكم القضاء قد أضعف مجلس النواب المنحل فأصبح عبئاً على عملية الكرامة وسبباً في انخفاض التأييد الدولي لهذا التيار خاصةً مع تغير موقف مبعوث الأمم المتحدة حيث عاد ليجتمع برئاسة المؤتمر الوطني العام في طرابلس ويدعو لأن يكون المؤتمر طرفاً في الحوار بين الليبيين.


وهكذا برز تيارٌ من داخل الثورة المضادة يدعو إلى حل مجلس النواب المنحل أصلاً وتشكيل مجلساً عسكرياً أعلى يتولى إدارة البلاد فيما تبقى من المرحلة الانتقالية ويقوم بالتجهيز للمرحلة المستقرة وهذا مما فاقم الاستقطاب والنزاع على الشرعية في المنطقة الشرقية وأدخل البلاد في منعطف جديد أضعف الثورة المضادة وقلل من فرص نجاحها.


ولكن تيار الثورة لم يسلم من عواصف الانشقاق ونزاع الشرعية أيضاً فتيار الثورة ظهر أنه غير مجمع على المؤتمر الوطني العام بالرغم أنه قد جرت مطالبات شعبية من خلال الحراك الشعبي إلى عودة المؤتمر عقب انتصار فجر ليبيا كما أن حكم القضاء قد قوى هذه الشرعية وجعلها غير قابلة للنقاش داخل تيار الثورة ولكن الاطمئنان الذي ساد أوساط تيار الثورة بعد حكم المحكمة جعل البعض يلتفت لتقييم أداء المؤتمر ويرنو ببصره إلى محاولة تغييره بجسم أقوى وأفضل أداءً.


ولعل محاولة المجالس البلدية للمدن التي تنتمي لفجر ليبيا تشكيل المجلس الأعلى للبلديات كان محاولة جادة لإسقاط المؤتمر الوطني العام وانتزاع شرعيته التي لازالت تستمد قوتها من الإعلان الدستوري وأحكام القضاء.


ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل تجاوزه لتقوم هذه المجالس البلدية بالضغط والتأثير على قرارات حكومة الإنقاذ وفرض إملاءاتها على الحكومة بتعيين الوزراء والوكلاء وفرض قرارات وسلوكيات تتفق مع رغبات هذه المجالس.


ولم يقتصر هذا الأمر على المجالس البلدية فحسب ولكن تعداه ليشمل بعض التشكيلات المنتمية للثوار مثل لجنة تصحيح المسار ولجنة ال17 والمجلس الأعلى لثوار ليبيا وغيرها من المسميات التي كانت تحوم حول مقر رئيس حكومة الإنقاذ وتقوم بفرض إملاءاتها والشخصيات التي ترغب في توظيفها بقوة السلاح وبمنطق القوة دون أن يكون للحكومة الضعيفة أي فرصة للمقاومة أو التملص.


وتجلى هذا النزاع واضحاً في الموقف من حوار جنيف حيث أن المؤتمر وهو الممثل السياسي لتيار فجر ليبيا تردد في المشاركة نتيجة امتعاضه من اختيارات ليون للمكان والزمان والآلية والشخصيات سارع المجلس البلدي لمدينة مصراتة إلى إعلان موافقته على المشاركة متخطياً بذلك شرعية المؤتمر بإشارةٍ واضحة أنه لا يعترف بشرعيته ولا يراه ممثلاً له وبذلك تعود المجالس البلدية إلى صراع الشرعية الذي بدأته بإعلانها المجلس الأعلى للبلديات وتعمل على إسقاط شرعية الجسم الذي نادى به ثوار فجر ليبيا عقب تحرير العاصمة طرابلس من كتائب الثورة المضادة.


لعل سبب هذا النزاع الذي يخوض غماره الليبيون هو حداثة العهد بدولة المؤسسات والقانون والممارسة الديمقراطية النزيهة التي أساسها احترام إفرازات صندوق الاقتراع واحترام المؤسسات الدستورية والأحكام القضائية.


فمنذ أن أُنتخب المؤتمر الوطني العام بشكل دستوري واستلم السلطة من المؤتمر الوطني بشكل سلمي وسلس لم يتكرر هذا المشهد في ليبيا مرة أخرى فعدم احترام قواعد العملية السياسية وأحكام القضاء هو ما أدخل ليبيا في هذا المنزلق الخطير من نزاع الشرعية والذي يؤسس لسوابق خطيرة قد تظل أساسات يتم البناء الخاطئ عليها في المستقبل.


يجب أن يتقبل الليبيون قواعد العمل السياسي تحت مظلة القضاء الدستوري ويتعلموا أن يُذعنوا لما يفرزه صندوق الاقتراع وما تقرره أحكام القضاء حتى يمكن أن يؤسسوا دولة المؤسسات التي طالما ادعوا أنهم يسعون لتحقيقها.


ولعل في سابقة قبول المؤتمر الوطني العام بحكم المحكمة الدستورية بإلغاء انتخاب السيد أحمد معيتيق رئيساً للحكومة خلفاً لعلي زيدان نبراساً منيراً كان يمكن أن يؤسس لممارسة ديمقراطية وسياسية ناجحة لو أنه تكرر أيضاً في قبول حكم المحكمة بحل مجلس النواب.


إذا كان الليبيون فعلاً يسعون لبناء دولة تقوم على مؤسسات دستورية وقانونية نزيهة وفاعلة فعليهم أن يروضوا أنفسهم على قبول مخرجات هذه المؤسسات وأن يستهجنوا كل من ينقلب على الشرعية الدستورية ويرفض تنفيذ الأحكام القضائية كما أنهم يحتاجون إلى أن يمارسوا مهامهم الموكلة إليهم من خلال النصوص الدستورية والقانونية دون زيادةٍ أو نقصانٍ فلا يمكن لجسم تنفيذي محلي أن يحل محل سلطة تشريعية وطنية حتى لو كان منتخباً، فاحترام القانون الذي تم انتخابه على أساسه هو أساس نجاحه واستمراره.
عندما يتعلم الليبيون أساليب الممارسة السياسية الصحيحة وعندما يحترمون قرارات المؤسسات القضائية وينقادون للشرعية الدستورية دون إخلال أو تلاعب عندها فقط يمكن أن يطمئنوا إلى بناء مستقبل زاهر لهم وللأجيال الآتية من بعدهم.

 

مروان الدرقاش

1 تعليق

  • ByronScund 11 حزيران/يونيو 2017

    costal line of pleural reflection external spermatic nerve giant cell thyroiditis basal diet contact surface of tooth ileocecal opening glomus pulmonale autoreproduction basophilic leukocytosis external cardiac massage cheap paxil online bornane cystometry grana

رأيك في الموضوع