Arabic English French German Italian Spanish

أثر الظلم في خراب الأوطان

تسود المجتمع الفوضى ويعمه الاضطراب إذا انتشر الظلم بين الناس ولم يجد المظلوم من يأخذ بحقه وينصفه من الظالم، فتأسن الحياة كما يأسن الماء الراكد، فتنتشر فيه الطفيليات وتنمو العفونة ويصبح ذلك الماء غير صالح للشرب، كذلك الحياة في ذلك المجتمع، العبث فيها والاستهتار بالقيم هو الغالب على معظم حياة الناس.

ولكي نكون مؤهلين لإقامة شرعنا وإصلاح أوطاننا علينا أن نقدر قيمة الحياة التي وهبها الله لنا، وأن نكون في مستوى الإنسانية التي أكرمنا الله بها وأن نكون أصحاب فطر سليمة يتوافق معها الشرع وتنسجم مع ما خلق الله من عوالم وأكوان ومنظومات لا تعاكس الفطرة ولا تصادم النواميس الكونية أو تنشر الفساد في الأرض. لا وزن ولا قيمة لشعوب مارست الظلم، فعاشت الاضطراب وتعصبت للجاهليات وتركت العدل بين الناس. إن العدل أساس الملك وإن الله يقيم الدولة العادلة ولو كانت كافرة ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة، إذ ليس بالأماني ترتقي الشعوب والحضارات. إننا بحاجة أن يعود ارتباط المسلمين بإسلامهم كمنهج للحياة لا مجرد انتساب له، وأن تعود روح الإسلام التي ملئت الدنيا عدلاً، ذلك الإسلام الذي صنع من أمة بدوية صحرواية لم تعش الحضارة أو تعرف التمدن فجعلها أكثر انضباطاً وحضارة وسلوكاً قويماً قدم للحياة نماذج أصلحت الحياة وأنصفت الشعوب ومنحت الحريات وأكرمت الإنسان وقضت على العبودية. 

لكن هل يمكن أن نٌحدث هذه القفزة لنجعل شعوبنا تقيم شرع الله وتعيش حياة النظام والجدية وتقيم النهضة وتقدم رسالتها للبشرية ليرى العالم النموذج الصحيح لرسالة الإسلام؟ إن الآمال العِراض والخيال الجامح الذي يقفز على الواقع يطيح بصاحبه إن لم يأخذ بسنة التدرج ويأخذ برفق ويرتب بيد حانية على شعب أرهقته الحروب والأزمات وعاش في ضنك من العيش تحت رحمة إعلام مضلل وسلطة غاشمة ومكر الليل والنهار، شوهت فيه كل معنى جميل للحياة حتى حولت الحياة إلى انفصام نكد، وتسمم في فكره وقيمه وسلوكه، ولنا في قصة عمر بن العزيز الخليفة الراشد عبرة وأسوة عندما جاءت إمارته للمسلمين في زمن قد عمّ فيه الفساد والظلم فأراد ابنه منه أن يحمل الناس على الأخذ بتعاليم الإسلام وإلزامهم به مهما كانت النتائج ولا نبالي إن غلت بنا القدور، فكان رد الخليفة الحكيم أن أخاف أن أحملهم عليه جملة فيتركوه جملة، ولابد من التدرج مع الناس فأعاد الخليفة الراشد العدل بين الناس، ولنا شباب له من العاطفة الدينية والروح الإسلامية وحب تحكيم شرع الله لا يبالون في الله لومة لائم ولو غلت بهم القدور وتكالبت عليه الأمم لكنهم لم يجدوا قائداً مثل عٌمر يأخذ برفق بالناس يحببهم في الدين ويجذبهم إليه برفق.

هذا التدرج العمري ممكن أن نجد مثله باقتباسنا من قوانين ونظم الغرب ونجعلها مرحلة من مراحل التدرج في عودة شعوبنا لرٌشدها ورجوعها لشرعها إذ الغرب قد نظم فساده وجعل ذلك غاية فيما نحن نجعله بداية فنبدأ بما لا يرده عاقل أو تمنع من قيامه قوة.

قومٌ نظموا حتى فسادهم وعالجوا آثاره فلم يثنيهم عن جديتهم في العمل واحترامهم للوقت وإقامة العدل في مجتمعاتهم فجمعتهم المصلحة المشتركة ولم يسمحوا بما يهدد تقدمهم وقيام صناعتهم رغم ما فيه من فساد أخلاقي وهذا النظام هو الذي جعل يصدق عليهم وصف أحد أئمة المسلمين لمّا زارهم فقال قولته المشهورة "وجدت مسلمين بدون إسلام وعندنا إسلام بدون مسلمين، وعندهم في كل ميناء أسطول وعندنا في كل شارع مسطول وصحوات وبلطجية!!. 

بالطبع توجد خمور لكنها ليست في أوقات الدوام الرسمي، ويوجد إدمان لكن المدمن لا تٌسلم له مقاليد الإدارة أو تجده في منافذ الدولة ويمنع تعاطي المٌسكرات أثناء العمل ويعاقب عليها حتى كأنهم في تأدية أعمالهم وإتقانها مسلمين منهجاً وسلوكاً، فما يمنع مؤسساتنا من تطبيق الإجراءات الصارمة لحفظ العمل واحترام الوقت ومراعاة مصالح الناس دون أن ننسب لذلك لتشدد في الدين أو تطرف والدول التي تحترم نفسها تفعل ذلك ويحترمها الجميع؟ فلنبدأ ذلك بحزم. ضوابط العمل التي تجعل الممرضة في المستشفى تعتني بالمريض، وتجعل صاحب المحل يبتسم في وجهك، وسائق السيارة يحترم المارة، ورجل يحترم كرامة المواطن، والطبيب والأستاذ والضابط والمهندس، كلهم يؤدون عملهم بإتقان وإخلاص حرصاً على العمل وحفاظاً على الوقت وتحملاً للمسؤولية. إن الاستخفاف بضوابط العمل وحالات السٌكر أثناء الدوام الرسمي والاستهتار بأرواح الناس هو من العبث والتخلف الذي تأبه الشعوب المحترمة لإنسانيتها السكوت والتغاضي عنه مشاركة في الجريمة وتدميراً للوطن وانتشاراً للظلم والشعوب التي تفعل ذلك لا تستحق الحياة أو تحظى بالاحترام أو ترقى في مدارج الحضارة فكيف بمن منوط بها تبليغ الرسالة للعالمين؟ هذا أو أن نستمر في حياة الفوضى والاضطراب والظلم فلا يبالي بنا الله في أي واد نهلك، ويصبح الإسلام حجة علينا لا لنا.

 

مصطفى الرعيض

10 أيار 2015 2 تعليقات
(1 تصويت)
أثر الظلم في خراب الأوطان

تسود المجتمع الفوضى ويعمه الاضطراب إذا انتشر الظلم بين الناس ولم يجد المظلوم من يأخذ بحقه وينصفه من الظالم، فتأسن الحياة كما يأسن الماء الراكد، فتنتشر فيه الطفيليات وتنمو العفونة ويصبح ذلك الماء غير صالح للشرب، كذلك الحياة في ذلك المجتمع، العبث فيها والاستهتار بالقيم هو الغالب على معظم حياة الناس.

ولكي نكون مؤهلين لإقامة شرعنا وإصلاح أوطاننا علينا أن نقدر قيمة الحياة التي وهبها الله لنا، وأن نكون في مستوى الإنسانية التي أكرمنا الله بها وأن نكون أصحاب فطر سليمة يتوافق معها الشرع وتنسجم مع ما خلق الله من عوالم وأكوان ومنظومات لا تعاكس الفطرة ولا تصادم النواميس الكونية أو تنشر الفساد في الأرض. لا وزن ولا قيمة لشعوب مارست الظلم، فعاشت الاضطراب وتعصبت للجاهليات وتركت العدل بين الناس. إن العدل أساس الملك وإن الله يقيم الدولة العادلة ولو كانت كافرة ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة، إذ ليس بالأماني ترتقي الشعوب والحضارات. إننا بحاجة أن يعود ارتباط المسلمين بإسلامهم كمنهج للحياة لا مجرد انتساب له، وأن تعود روح الإسلام التي ملئت الدنيا عدلاً، ذلك الإسلام الذي صنع من أمة بدوية صحرواية لم تعش الحضارة أو تعرف التمدن فجعلها أكثر انضباطاً وحضارة وسلوكاً قويماً قدم للحياة نماذج أصلحت الحياة وأنصفت الشعوب ومنحت الحريات وأكرمت الإنسان وقضت على العبودية. 

لكن هل يمكن أن نٌحدث هذه القفزة لنجعل شعوبنا تقيم شرع الله وتعيش حياة النظام والجدية وتقيم النهضة وتقدم رسالتها للبشرية ليرى العالم النموذج الصحيح لرسالة الإسلام؟ إن الآمال العِراض والخيال الجامح الذي يقفز على الواقع يطيح بصاحبه إن لم يأخذ بسنة التدرج ويأخذ برفق ويرتب بيد حانية على شعب أرهقته الحروب والأزمات وعاش في ضنك من العيش تحت رحمة إعلام مضلل وسلطة غاشمة ومكر الليل والنهار، شوهت فيه كل معنى جميل للحياة حتى حولت الحياة إلى انفصام نكد، وتسمم في فكره وقيمه وسلوكه، ولنا في قصة عمر بن العزيز الخليفة الراشد عبرة وأسوة عندما جاءت إمارته للمسلمين في زمن قد عمّ فيه الفساد والظلم فأراد ابنه منه أن يحمل الناس على الأخذ بتعاليم الإسلام وإلزامهم به مهما كانت النتائج ولا نبالي إن غلت بنا القدور، فكان رد الخليفة الحكيم أن أخاف أن أحملهم عليه جملة فيتركوه جملة، ولابد من التدرج مع الناس فأعاد الخليفة الراشد العدل بين الناس، ولنا شباب له من العاطفة الدينية والروح الإسلامية وحب تحكيم شرع الله لا يبالون في الله لومة لائم ولو غلت بهم القدور وتكالبت عليه الأمم لكنهم لم يجدوا قائداً مثل عٌمر يأخذ برفق بالناس يحببهم في الدين ويجذبهم إليه برفق.

هذا التدرج العمري ممكن أن نجد مثله باقتباسنا من قوانين ونظم الغرب ونجعلها مرحلة من مراحل التدرج في عودة شعوبنا لرٌشدها ورجوعها لشرعها إذ الغرب قد نظم فساده وجعل ذلك غاية فيما نحن نجعله بداية فنبدأ بما لا يرده عاقل أو تمنع من قيامه قوة.

قومٌ نظموا حتى فسادهم وعالجوا آثاره فلم يثنيهم عن جديتهم في العمل واحترامهم للوقت وإقامة العدل في مجتمعاتهم فجمعتهم المصلحة المشتركة ولم يسمحوا بما يهدد تقدمهم وقيام صناعتهم رغم ما فيه من فساد أخلاقي وهذا النظام هو الذي جعل يصدق عليهم وصف أحد أئمة المسلمين لمّا زارهم فقال قولته المشهورة "وجدت مسلمين بدون إسلام وعندنا إسلام بدون مسلمين، وعندهم في كل ميناء أسطول وعندنا في كل شارع مسطول وصحوات وبلطجية!!. 

بالطبع توجد خمور لكنها ليست في أوقات الدوام الرسمي، ويوجد إدمان لكن المدمن لا تٌسلم له مقاليد الإدارة أو تجده في منافذ الدولة ويمنع تعاطي المٌسكرات أثناء العمل ويعاقب عليها حتى كأنهم في تأدية أعمالهم وإتقانها مسلمين منهجاً وسلوكاً، فما يمنع مؤسساتنا من تطبيق الإجراءات الصارمة لحفظ العمل واحترام الوقت ومراعاة مصالح الناس دون أن ننسب لذلك لتشدد في الدين أو تطرف والدول التي تحترم نفسها تفعل ذلك ويحترمها الجميع؟ فلنبدأ ذلك بحزم. ضوابط العمل التي تجعل الممرضة في المستشفى تعتني بالمريض، وتجعل صاحب المحل يبتسم في وجهك، وسائق السيارة يحترم المارة، ورجل يحترم كرامة المواطن، والطبيب والأستاذ والضابط والمهندس، كلهم يؤدون عملهم بإتقان وإخلاص حرصاً على العمل وحفاظاً على الوقت وتحملاً للمسؤولية. إن الاستخفاف بضوابط العمل وحالات السٌكر أثناء الدوام الرسمي والاستهتار بأرواح الناس هو من العبث والتخلف الذي تأبه الشعوب المحترمة لإنسانيتها السكوت والتغاضي عنه مشاركة في الجريمة وتدميراً للوطن وانتشاراً للظلم والشعوب التي تفعل ذلك لا تستحق الحياة أو تحظى بالاحترام أو ترقى في مدارج الحضارة فكيف بمن منوط بها تبليغ الرسالة للعالمين؟ هذا أو أن نستمر في حياة الفوضى والاضطراب والظلم فلا يبالي بنا الله في أي واد نهلك، ويصبح الإسلام حجة علينا لا لنا.

 

مصطفى الرعيض

2 تعليقات

  • Cassie 28 تموز/يوليو 2017

    Thanks for sharing your thoughts. I truly appreciate your efforts and I will be waiting for your further post
    thanks once again.

  • KelWigueteP 08 تموز/يوليو 2017

    Cheap Tadacip From Holland buy viagra Can I Buy Zithromax In Canada

رأيك في الموضوع