Arabic English French German Italian Spanish

أســرعـهـم إفـاقـة بـعـد مـصـيـبة

هكذا وصف الصحابي الجليل عمرو بن العاص الروم فيما عدّد من أوصاف، ولكن هذا مما لا نراه في البيئة العربية حيث تجتر المصيبة ولا نجد سبيلا للخروج منها وإذا شاء اللـه سبحانه أن نخرج منها فإن كثيراً منّا يعود بفكره وقلمه وإحساسه ليجترها ويعيش فيها، لا بهدف دراسة أسبابها أو الاستفادة مما حدث وتفاديه في اللاحق من الأمور والأحداث؛ بل للنواح عليها والصراخ والتلاوم . بل وانتقلنا من مصائبنا لنبكي على مصائب الغير فقد ألّف العرب في وفاة أميرة ويلز ديانا عدداً يفوق مائة كتاب تُبدئ في الحدث وتُعيد، فيما أُلف في بلاد الغرب القليل من الكتب وكلها تتحدث عن إنجازاتها وتبرعاتها، فهذا عائد إلى بيئتنا العربية الناشئة على طرق تربوية والمحكومة بآليات اجتماعية قد لا تكون كلها صحيحة وسليمة أسفرت في ظهور مثل هذا السلوك الذي يتحسّر على الأطلال ويجرّم في الأحداث والشخوص والهيئات ثم يضع نقطة ( . ) ليعاود من حيث بدأ وهكذا دواليك هذا ما يفسّر لك تلك الخطبة المنمقة التي سمعتها من الشيخ على منبر الجمعة يُـثبت فيها الحق لأمير المؤمنين علي أو يبين لك منهجية ذلك المثقف في كتابه وهو ينسب ما نحن فيه من تأزم سياسي للصحابي معاوية . وتصدّرِ أحد الجلساء ليسرد قصصاً من تاريخ المناطق وغدر بعضها ومجاهدة الأخرى في تاريخ الجهاد الليبي .

ولعلّ من أبرز ركائز هذه الثقافة "اجترار المصيبة" وهو كثرة التلاوم وتقاذف التّهم، فقد تنبه ابن مسعود رضي اللـه عنه لهذا السلوك فوصفه بالنتن : "يكون في آخر الزمان أقوام أفضل أعمالهم التلاوم يُسمون الأنتان" كيف؟! وهي التي تريحك من تحمل التبعات وتبعد عنك تكاليف المسؤولية وإرهاق الشعور بالذنب ولكي تعرف مدى تغلغلها في ثقافتنا المتداولة انظر حتى للأعمال الفنية العربية بغض النظر عن الرأي الفقهي فيها فهذا ليس محل نظرنا الآن بل محل النظر مدى شيوعها وتأثيرها على المشاهد العربي فكثير منها يجتر المصيبة ويعيش فيها ويلقي باللائمة على الغير مثالاً لا حصراً ((جعلوني مجرماً )) فيلم عربي مصري أنتج في الخمسينيات من القرن العشرين يحكي قصة طفل ظلمه عمه واستولى على ثروته من بعد وفاة أبيه ورماه في السجن فخرج من بعد سنين وانتقم لنفسه وقتل عمه فأصبح مجرماً ولكن هم من صنعوه وهم من ظلموه وهم من يتحملون تبعة ما وصل إليه .

وقد كانت هذه الآهات والصرخات والفقه الاجتراري حبيساً للكتب أو الخطب ولكن في ظل الثورات التقنية واتساع فضاء الاتصال والتواصل فلن تسلم من فيحها فقد انهالت علينا منشورات الفيس بوك وتغريدات التويتر التي تحاكي المصائب و العذاب والوله فذاك يشكو هجران العشيق وتلك تشكو خيانة الحبيب وهو يتألم من نكران الجميل وذاك يبكي على الوطن وأوصاله حتى صار يصعب عليك التمييز بين النائحة الثكلى وتلك المستأجرة ولَـعلّي أشارك الحطيئة صرخته في قصيدته وضجره من قومه _و من نفسه_ ودعوته لتبني أعمال إيجابية بدل اللوم والتقريع : أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم **من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا فلنترك هذه الثقافة ومرارة بغاضتها وسوء تقديرها للأمور ولنسع جميعا لتدريب أنفسنا على سرعة الإفاقة من ذهول المصيبة ومن صدمة الواقعة ولنبتعد عن كثرة التلاوم ولنتواص بالحق والعدل والإنصاف.

 

موسى بوقويطين

15 أيار 2015 0 comment
(0 أصوات)
أســرعـهـم إفـاقـة بـعـد مـصـيـبة

هكذا وصف الصحابي الجليل عمرو بن العاص الروم فيما عدّد من أوصاف، ولكن هذا مما لا نراه في البيئة العربية حيث تجتر المصيبة ولا نجد سبيلا للخروج منها وإذا شاء اللـه سبحانه أن نخرج منها فإن كثيراً منّا يعود بفكره وقلمه وإحساسه ليجترها ويعيش فيها، لا بهدف دراسة أسبابها أو الاستفادة مما حدث وتفاديه في اللاحق من الأمور والأحداث؛ بل للنواح عليها والصراخ والتلاوم . بل وانتقلنا من مصائبنا لنبكي على مصائب الغير فقد ألّف العرب في وفاة أميرة ويلز ديانا عدداً يفوق مائة كتاب تُبدئ في الحدث وتُعيد، فيما أُلف في بلاد الغرب القليل من الكتب وكلها تتحدث عن إنجازاتها وتبرعاتها، فهذا عائد إلى بيئتنا العربية الناشئة على طرق تربوية والمحكومة بآليات اجتماعية قد لا تكون كلها صحيحة وسليمة أسفرت في ظهور مثل هذا السلوك الذي يتحسّر على الأطلال ويجرّم في الأحداث والشخوص والهيئات ثم يضع نقطة ( . ) ليعاود من حيث بدأ وهكذا دواليك هذا ما يفسّر لك تلك الخطبة المنمقة التي سمعتها من الشيخ على منبر الجمعة يُـثبت فيها الحق لأمير المؤمنين علي أو يبين لك منهجية ذلك المثقف في كتابه وهو ينسب ما نحن فيه من تأزم سياسي للصحابي معاوية . وتصدّرِ أحد الجلساء ليسرد قصصاً من تاريخ المناطق وغدر بعضها ومجاهدة الأخرى في تاريخ الجهاد الليبي .

ولعلّ من أبرز ركائز هذه الثقافة "اجترار المصيبة" وهو كثرة التلاوم وتقاذف التّهم، فقد تنبه ابن مسعود رضي اللـه عنه لهذا السلوك فوصفه بالنتن : "يكون في آخر الزمان أقوام أفضل أعمالهم التلاوم يُسمون الأنتان" كيف؟! وهي التي تريحك من تحمل التبعات وتبعد عنك تكاليف المسؤولية وإرهاق الشعور بالذنب ولكي تعرف مدى تغلغلها في ثقافتنا المتداولة انظر حتى للأعمال الفنية العربية بغض النظر عن الرأي الفقهي فيها فهذا ليس محل نظرنا الآن بل محل النظر مدى شيوعها وتأثيرها على المشاهد العربي فكثير منها يجتر المصيبة ويعيش فيها ويلقي باللائمة على الغير مثالاً لا حصراً ((جعلوني مجرماً )) فيلم عربي مصري أنتج في الخمسينيات من القرن العشرين يحكي قصة طفل ظلمه عمه واستولى على ثروته من بعد وفاة أبيه ورماه في السجن فخرج من بعد سنين وانتقم لنفسه وقتل عمه فأصبح مجرماً ولكن هم من صنعوه وهم من ظلموه وهم من يتحملون تبعة ما وصل إليه .

وقد كانت هذه الآهات والصرخات والفقه الاجتراري حبيساً للكتب أو الخطب ولكن في ظل الثورات التقنية واتساع فضاء الاتصال والتواصل فلن تسلم من فيحها فقد انهالت علينا منشورات الفيس بوك وتغريدات التويتر التي تحاكي المصائب و العذاب والوله فذاك يشكو هجران العشيق وتلك تشكو خيانة الحبيب وهو يتألم من نكران الجميل وذاك يبكي على الوطن وأوصاله حتى صار يصعب عليك التمييز بين النائحة الثكلى وتلك المستأجرة ولَـعلّي أشارك الحطيئة صرخته في قصيدته وضجره من قومه _و من نفسه_ ودعوته لتبني أعمال إيجابية بدل اللوم والتقريع : أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم **من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا فلنترك هذه الثقافة ومرارة بغاضتها وسوء تقديرها للأمور ولنسع جميعا لتدريب أنفسنا على سرعة الإفاقة من ذهول المصيبة ومن صدمة الواقعة ولنبتعد عن كثرة التلاوم ولنتواص بالحق والعدل والإنصاف.

 

موسى بوقويطين

رأيك في الموضوع