Arabic English French German Italian Spanish

تزاوج الحرية والإعلام عندنا

يتصور بعض المتشائمين أن الديمقراطية في عالمنا العربي أكذوبة ليبرالية تم إسقاطها على واقعنا دون فهم للواقع الحقيقي لهذا المجتمع، والذي رزح طويلاً تحت حكم العسكر. من أبجديّاتها وأسسها هي الحرية التي تكون حرية التعبير جزءًا أصيلاً منها، فإن لم تَشُب هذه الحرية شائبة تكميم الأفواه أو إسكات الأقلام فقد يعكس أصحاب القرار طابعًا حضاريًا لمجتمعهم الذي يحكمونه، لكن مجتمعاتنا تعشق الإفراط في حريتها وتهوى التفريط فيها، تسقط الضوابط، وتُرفع الأسقف إلى عنان السماء، فاستغل بعض أصحاب المآرب والمصالح والأجندات من أصحاب المال والسلطان ذلك الأمر فجعلوه معول هدم لأوطانهم، عبثوا بجوهرة الحرية وأفقدوها بريقها بتشويه خصومهم كذبًا وبهتانًا، مارسوا "الماكارثية" بحذافيرها، أدخلوا في الحياة السياسية ما لم يكن في الحسبان، واخترعوا فنّاً لا يتقنه كل أحد، إذ يحتاج الأمر إلى دهاء، فعدة العمل موجودة، والأدمغة فارغة تنتظر تعبئتها بطيب الكلام أو بقبيحه وخبيثه، والقاتل والسارق والمفسد مجهول، وكذب الحديث وتكراره لن يكلفنا من الأمر شيء، فيقتنع البسطاء بالكذب، ويُسحب البساط من تحت قدمي خصمك وتستعين بأنصاره عليه، وتضم الأطراف المحايدة إلى جانبك. أما إعلام السلطة، وما أدراك ما إعلام السلطة، فقد ألغى سلطة الإعلام، وأضحى أداةً من الأدوات الاستخباراتية، وسلاحًا فتاكًا لهدم العلاقة بين الدول، كلّما اختلفت دولتان أو تصارع نظامان أو احتدم الخلاف بين فريقين داخل الوطن الواحد، فاستلم إحداهما السلطة وجعل الإعلام في قبضته، حيث تعطى الأوامر الاستخباراتية للإعلام بأن يبدأ حملة شيطنة المخالف، ويَسْتَل فيها رجال الإعلام سيوفهم المرئية والمسموعة والمكتوبة ليبدؤوا تبليغك ما لا يُبلَّغ من الأكاذيب والشائعات حول خصمهم المزعوم.

أما الإعلام الأخطر ذلك الإعلام المنافق الذي يتقن فنون تمرير الرسائل بقناع الحياد المزيف، يجيدون الكلام المنمق، يضيفون عليه موضوعية الخداع، يظهرون رأس جبل الجليد على إنه كل الجبل ويخفون باقيه، يعطونك من طرف اللسان حلاوة، يدسون السم في الدسم دون أن تشعر، يشوهون خصومهم ببالغ النعومة، لا يكذبون بعرضهم للحقائق التي لا يمكن دحضها، فيعقبونها بتحاليل وتفاسير يوحي بمرادهم هُم، يلقوا بذلك إلى "لاوعيك" ما يريدونك أن تفهمه، كمن يصنع الحلوى اللذيذة يمزجها بنكهة طيبة المذاق، مسمومة المحتوى، فريدة الطعم في لذّتها، تبتلعها وتسكن جسدك، وتُراكِم العلات فيه وأنت تقول هل من مزيد؟!.

 

علي فيدان

19 أيار 2015 0 comment
(0 أصوات)
تزاوج الحرية والإعلام عندنا

يتصور بعض المتشائمين أن الديمقراطية في عالمنا العربي أكذوبة ليبرالية تم إسقاطها على واقعنا دون فهم للواقع الحقيقي لهذا المجتمع، والذي رزح طويلاً تحت حكم العسكر. من أبجديّاتها وأسسها هي الحرية التي تكون حرية التعبير جزءًا أصيلاً منها، فإن لم تَشُب هذه الحرية شائبة تكميم الأفواه أو إسكات الأقلام فقد يعكس أصحاب القرار طابعًا حضاريًا لمجتمعهم الذي يحكمونه، لكن مجتمعاتنا تعشق الإفراط في حريتها وتهوى التفريط فيها، تسقط الضوابط، وتُرفع الأسقف إلى عنان السماء، فاستغل بعض أصحاب المآرب والمصالح والأجندات من أصحاب المال والسلطان ذلك الأمر فجعلوه معول هدم لأوطانهم، عبثوا بجوهرة الحرية وأفقدوها بريقها بتشويه خصومهم كذبًا وبهتانًا، مارسوا "الماكارثية" بحذافيرها، أدخلوا في الحياة السياسية ما لم يكن في الحسبان، واخترعوا فنّاً لا يتقنه كل أحد، إذ يحتاج الأمر إلى دهاء، فعدة العمل موجودة، والأدمغة فارغة تنتظر تعبئتها بطيب الكلام أو بقبيحه وخبيثه، والقاتل والسارق والمفسد مجهول، وكذب الحديث وتكراره لن يكلفنا من الأمر شيء، فيقتنع البسطاء بالكذب، ويُسحب البساط من تحت قدمي خصمك وتستعين بأنصاره عليه، وتضم الأطراف المحايدة إلى جانبك. أما إعلام السلطة، وما أدراك ما إعلام السلطة، فقد ألغى سلطة الإعلام، وأضحى أداةً من الأدوات الاستخباراتية، وسلاحًا فتاكًا لهدم العلاقة بين الدول، كلّما اختلفت دولتان أو تصارع نظامان أو احتدم الخلاف بين فريقين داخل الوطن الواحد، فاستلم إحداهما السلطة وجعل الإعلام في قبضته، حيث تعطى الأوامر الاستخباراتية للإعلام بأن يبدأ حملة شيطنة المخالف، ويَسْتَل فيها رجال الإعلام سيوفهم المرئية والمسموعة والمكتوبة ليبدؤوا تبليغك ما لا يُبلَّغ من الأكاذيب والشائعات حول خصمهم المزعوم.

أما الإعلام الأخطر ذلك الإعلام المنافق الذي يتقن فنون تمرير الرسائل بقناع الحياد المزيف، يجيدون الكلام المنمق، يضيفون عليه موضوعية الخداع، يظهرون رأس جبل الجليد على إنه كل الجبل ويخفون باقيه، يعطونك من طرف اللسان حلاوة، يدسون السم في الدسم دون أن تشعر، يشوهون خصومهم ببالغ النعومة، لا يكذبون بعرضهم للحقائق التي لا يمكن دحضها، فيعقبونها بتحاليل وتفاسير يوحي بمرادهم هُم، يلقوا بذلك إلى "لاوعيك" ما يريدونك أن تفهمه، كمن يصنع الحلوى اللذيذة يمزجها بنكهة طيبة المذاق، مسمومة المحتوى، فريدة الطعم في لذّتها، تبتلعها وتسكن جسدك، وتُراكِم العلات فيه وأنت تقول هل من مزيد؟!.

 

علي فيدان

رأيك في الموضوع