Arabic English French German Italian Spanish

في ليبيا .. موجة ثورية جديدة

اتخذت الثورة المضادة ممثلة في عملية الكرامة العسكرية من الشرق الليبي المعروف تاريخيا باسم "برقة" مسرحا لعملياتها مستندة على طغيان النزعة الجهوية المتمردة على السلطة المركزية، وهو التمرد الذي مر بأطوار متعددة إلى أن استقر به الحال إلى التلويح بالانفصال والدعوة إلى التقسيم.

ولأن المنطقة الغربية من البلاد تحتضن أضخم قوة عسكرية مؤيدة لثورة فبراير فإنها قد استعصت على الثورة المضادة، رغم المحاولات المتكررة التي كان آخرها هزيمة لواءي القعقاع والصواعق المؤيدين لعملية الكرامة وطردهما خارج طرابلس.

 

سبب رئيسي آخر جعل القائمين على مشروع الثورة المضادة يبتدئون حملتهم من الشرق الليبي، وهو خلو المنطقة الشرقية من قوة عسكرية ضاربة مؤيدة للثورة كأختها في المنطقة الغربية.

نستثني من ذلك بعض ما تبقى من قوة للثوار في مدينة بنغازي تعرضت لعدة ضربات ممنهجة عرفت إحداها بحادثة الدرع التي قضى فيها أكثر من أربعين متظاهرا خرجوا يهتفون ضد ما أسموه المليشيات المسلحة إثر تعبئة إعلامية انتهجتها بعض الفضائيات المحسوبة على الثورة المضادة، ولا تزال هذه القوة تحول دون استيلاء قوات عملية الكرامة على المدينة.

 

علاوة على ذلك فإن مدينتي بنغازي ودرنة الواقعتين في الشرق الليبي كانت تمارس على أراضيهما أحداث اغتيالات وعنف مما جعل مناخ المنطقة الشرقية مهيأ لاستقبال الثورة المضادة واحتضانها وجعلت الرأي العام ينجر خلف الشعارات البراقة التي تتستر خلفها.

 

ورغم تغول الثورة المضادة في دول مجاورة اجتاحها الربيع العربي حتى أكملت مسيرتها في بعضها وكشرت عن أنيابها وغدت متأهبة للانقضاض في دول أخرى كانت انطلاقة الثورة المضادة في جزء من البلاد دون الجزء الأكبر الذي يضم العاصمة ومؤسسات الدولة إعلانا للفشل الذريع الذي مني به القائمون على هذا المشروع.

 

وإن بدا لنا أن هذا المشروع قد حظي بدعم إقليمي ودولي حتى أيقنت عناصره المحلية أنه سيتوج بوصولهم إلى سدة الحكم، مثل أي مشروع انقلابي آخر، فإن الواقع الذي فرضته قوى الثورة في غرب البلاد جعل الغاية من هذا الدعم القيام بمهمة معينة يراد بها خلط الأوراق وإعادة تشكيل الخريطة السياسية للبلاد للوصول إلى صيغة للحكم يجري التحضير لها من خلال الحوار الأممي الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة في ليبيا.

 

انطلقت الثورة المضادة في شرق البلاد ضعيفة هشة، إلا أنها سرعان ما استوت على سوقها بعد أن انشقت المؤسسات الأمنية والعسكرية، وأعلنت في بيانات منفصلة دعمها لعملية الكرامة، في الحين الذي توفرت لها حاضنة اجتماعية وفرتها القبائل التي دفعت بفلذات أكبادها وقودا للمعركة وعقدت ملتقيات أيدت فيها العملية وقائدها حفتر.

 

ومما زاد من صلابة عودها انتخابات مجلس النواب المنحل التي أفرزت نتائج متناغمة مع الثورة المضادة، فقد استقر البرلمان في مدينة طبرق الحدودية مع مصر مخالفا الإعلان الدستوري الذي ينص على انعقاده في مدينة بنغازي متجاوزا عرف الاستلام من المؤتمر الوطني العام، وأعطى الثقة لعبد الله الثني الذي شكل حكومته واتخذ من مدينة البيضاء مقرا لها، وقصر الجسمان جهودهما في جلب الدعم الكامل للعملية والتمكين لقائدها الذي استحدث له منصب القائد العام للجيش الليبي.

 

ورغم أن البرلمان المنحل قد أضفى الشرعية على عملية الكرامة وأصبحت من الناحية الإدارية والقانونية تابعة له فإن الواقع يقول بأنه واقع تحت انقلاب عسكري، حيث يشتكي أعضاء من البرلمان من تهديدات تطالهم حين انتقادهم العملية أو شخص قائدها في الوقت الذي يمنع فيه رئيس الحكومة عبد الله الثني من السفر أكثر من مرة، ويختطف فيه وزراء من الحكومة المؤقتة واقتيدوا نحو مدينة المرج التي يتخذ منها قائد العملية حفتر مقرا لإدارة عملياته العسكرية.

مضى سكان المنطقة الشرقية في تأييد العملية التي تدعي محاربة الإرهاب ورأوا فيها حلا للأزمة السياسية والأمنية التي تعيشها البلاد في الحين الذي صورت فيه الفضائيات الداعمة للثورة المضادة أن مهمتها ستنتهي في غضون أيام، لكن ما لم يدر في خلد الأكثرية أن الحرب ستطول وأنها منذ السنة ونصف السنة تراوح مكانها مخلفة الدمار والخراب الذي أتى على كامل أحياء بنغازي وتسبب في نزوح سكانها إلى المدن الليبية الأخرى.

 

ولأن بنغازي هي شريان حياة المنطقة الشرقية فقد تفاقمت الأزمات الإنسانية التي تسببت في شدة شتاء سنة الحرب الذي عد من أشد الشتاءات التي مرت على المنطقة، وتبعا لذلك خارت قوى الناس وفترت عزائمهم وانخفض التأييد الشعبي للعملية ورأوا في الحوار السياسي أملا ومخرجا فاستبدلت دعوات الحث على الحرب والقتال والتصفيق للعمليات العسكرية بدعوات الحوار والصلح والتسامح.

 

نتج عن كل ذلك بدء مرحلة الانقسام في معسكر الكرامة، حيث تفاقمت التصدعات والانشقاقات داخله، وأصبح انتقاد العملية وقائدها أمرا عاديا ولا سيما من قادة محاور القتال الذين استشعر بعضهم ببداية مرحلة الإبعاد والإقصاء وتصفية الحسابات التي تصحب حركات الانقلاب العسكري بعد استوائها، ففي الوقت الذي ألبست فيه جرائم العملية وفظائعها لبعض القادة كان البعض الآخر رهن الاحتجاز بعد أن استخدموا في مرحلة التحضير للعملية والقيام بأدوار مختلفة كان أبرزها بعض عمليات الاغتيال والتفجيرات.

 

ثمة عامل آخر كان سببا في حدوث الانشقاقات المتعاقبة يرجع إلى تركيبة معسكر الكرامة المتكونة غالبية قوته العسكرية من مجموعات جهوية تتخذ من الولاء للمنطقة الشرقية وجنوحها نحو الانفصال منطلقا، فقد استشعرت هذه المجموعات باستخدامها من قبل القائمين على مشروع الكرامة عندما كان يرفض قائدها حفتر الذي ترجع أصوله إلى المنطقة الغربية التلفظ بكلمة (برقة) التي تعتز بها هذه المجموعات وتحاول جاهدة أن تحيي هذا الاسم وتجعل منه انتماء.

 

ولأن العناصر العسكرية التي استخدمت في العملية ليست عناصر عسكرية منظمة كعناصر أي مؤسسة عسكرية، فهي متنوعة بين عسكريين سابقين متقاعدين أو عسكريين معطلين في زمن النظام السابق أو متطوعين من بعض القبائل والعشائر يحركهم دافع جهوي أو قبلي، فإنها سرعان ما تفككت بفعل هذه الانشقاقات وانقاد كل منها لقائده أو تبنى موقف قبيلته، فتكونت عناصر مختلفة الولاءات يتعذر علينا أن نضفي عليها صفة قوات الجيش الليبي.

 

تبعا لذلك كله تهلهلت قوات الكرامة وسرعان ما بدأت تصفية الحسابات داخله بين ملاحقة لقادة منشقين من قبل قيادة العملية والمحسوبين عليه أو سحب بعض القادة المنشقين قوات تابعة لهم من محاور القتال، الأمر الذي أحرز تقدما لصالح مجلس شورى ثوار بنغازي في مختلف المحاور.

في خضم هذه الأحداث كانت المفاجأة قد أطلت من مدينة درنة المحاصرة من قوات عملية الكرامة التي أعلنت مرات عديدة أن عملية تحرير درنة على وشك البداية.

 

كانت المفاجأة في نشوب الحرب في المدينة بين مكون مجلس شورى ثوار درنة والمنتسبين لتنظيم الدولة الإسلامية المسيطرين على المدينة عندما قاموا باغتيال قياديين في المجلس، حيث تمكنت قوات مجلس شورى ثوار درنة من طرد تنظيم الدولة خارج المدينة ودحر الإرهاب منها، وبدأت مؤسسات الدولة في العودة إلى المدينة.

 

وقد تسبب ذلك في إحراج القوات التي تحاصر المدينة منذ سنة، فما عجزت عنه هذه القوات في سنة فعله أبناء المدينة وثوارها في بضعة أيام، وبدأ السكان يتوصلون إلى قناعة عجزوا عن تفسيرها فترة من الزمن تختصر في أهمية أن يحاول أي مشروع انقلابي تقليدي إبقاء شماعة يطيل بها أمد بقائه وشرعيته.

غير بعيد من درنة يبرز ثوار مدينة طبرق والبيضاء الذين آثروا عدم دخول المدينتين في حرب كما حدث في مدينة بنغازي، فقد أعلن ثوار طبرق منتسبو كتيبة عمر المختار المكلفة بتأمين الحدود مع مصر وإحدى كتائب الثوار إبان حرب التحرير النفير العام حينما رأوا أن البرلمان المنحل قد مكن لعناصر من النظام السابق وزاد من جرأتهم أن تظاهر بعضهم في ميدان المدينة مطالبين بعودة سيف الإسلام القذافي للحكم بينما طالب آخرون بمجلس عسكري يحكم البلاد.

 

دعاهم ذلك إلى طرد هذه المجموعات من مدينتهم معلنين الاستيلاء على الميدان، كما أعلن ثوار البيضاء منتسبو كتيبة علي حسن الجابر إحدى أهم كتائب الثوار أثناء الثورة بيانا تمسكوا فيه بمبادئ الثورة رافضين الحكم العسكري معلنين حربهم ضد الإرهاب والتطرف مهما اختلفت مرجعيته، والتحق ثوار المدينتين بثوار درنة للقضاء على آخر معاقل تنظيم الدولة الإسلامية في ضواحي مدينة درنة وحققوا بالتحامهم تقدما واضحا على تنظيم الدولة مما جعل قوات الكرامة تسعى إلى عرقلة المساعدات والذخائر المخصصة للثوار، وأثار ذلك تساؤلات لدى الرأي العام حول استفادة قوات الكرامة من بقاء تنظيم داعش.

 

أما في الجنوب الشرقي حيث تقع مدينة الكُفْرة التي تتعرض لهجوم مستمر من قبل قوة من حركة العدل والمساواة السودانية المتحالفة مع اللواء المتقاعد حفتر بهدف الاستيلاء على المدينة التي اتخذ سكانها من قبيلة "زوية" موقفا سلبيا من عملية الكرامة منذ انطلاقها، فقد استطاع ثوارها وأبناؤها دحر قوات العدل والمساواة أكثر من مرة.

 

كل هذه الأحداث التي مرت -على اختلافها- على أرض المنطقة الشرقية في السنة الماضية قد غيرت من الخريطة العسكرية للمنطقة وأنذرت بواقع جديد لها ليس فيه مكان لقوى الثورة المضادة التي بدأت في الانهيار معلنة عودة جديدة لقوى الثورة التي علمنا التاريخ أنها قد تمر بانتكاسة لكنها لا تلبث إلا أن تعود وتولد من جديد.

 

قبل سنة كانت انتكاسة الثورة في ليبيا وها هي ليبيا الآن أمام موجة ثورية ولدت من جديد يصحبها وعي جديد ستسقط دونه كل أقنعة الثورة المضادة.

 

 

أبوبكر بلال

28 تشرين2 2015 24282 تعليقات
(1 تصويت)
في ليبيا .. موجة ثورية جديدة

اتخذت الثورة المضادة ممثلة في عملية الكرامة العسكرية من الشرق الليبي المعروف تاريخيا باسم "برقة" مسرحا لعملياتها مستندة على طغيان النزعة الجهوية المتمردة على السلطة المركزية، وهو التمرد الذي مر بأطوار متعددة إلى أن استقر به الحال إلى التلويح بالانفصال والدعوة إلى التقسيم.

ولأن المنطقة الغربية من البلاد تحتضن أضخم قوة عسكرية مؤيدة لثورة فبراير فإنها قد استعصت على الثورة المضادة، رغم المحاولات المتكررة التي كان آخرها هزيمة لواءي القعقاع والصواعق المؤيدين لعملية الكرامة وطردهما خارج طرابلس.

 

سبب رئيسي آخر جعل القائمين على مشروع الثورة المضادة يبتدئون حملتهم من الشرق الليبي، وهو خلو المنطقة الشرقية من قوة عسكرية ضاربة مؤيدة للثورة كأختها في المنطقة الغربية.

نستثني من ذلك بعض ما تبقى من قوة للثوار في مدينة بنغازي تعرضت لعدة ضربات ممنهجة عرفت إحداها بحادثة الدرع التي قضى فيها أكثر من أربعين متظاهرا خرجوا يهتفون ضد ما أسموه المليشيات المسلحة إثر تعبئة إعلامية انتهجتها بعض الفضائيات المحسوبة على الثورة المضادة، ولا تزال هذه القوة تحول دون استيلاء قوات عملية الكرامة على المدينة.

 

علاوة على ذلك فإن مدينتي بنغازي ودرنة الواقعتين في الشرق الليبي كانت تمارس على أراضيهما أحداث اغتيالات وعنف مما جعل مناخ المنطقة الشرقية مهيأ لاستقبال الثورة المضادة واحتضانها وجعلت الرأي العام ينجر خلف الشعارات البراقة التي تتستر خلفها.

 

ورغم تغول الثورة المضادة في دول مجاورة اجتاحها الربيع العربي حتى أكملت مسيرتها في بعضها وكشرت عن أنيابها وغدت متأهبة للانقضاض في دول أخرى كانت انطلاقة الثورة المضادة في جزء من البلاد دون الجزء الأكبر الذي يضم العاصمة ومؤسسات الدولة إعلانا للفشل الذريع الذي مني به القائمون على هذا المشروع.

 

وإن بدا لنا أن هذا المشروع قد حظي بدعم إقليمي ودولي حتى أيقنت عناصره المحلية أنه سيتوج بوصولهم إلى سدة الحكم، مثل أي مشروع انقلابي آخر، فإن الواقع الذي فرضته قوى الثورة في غرب البلاد جعل الغاية من هذا الدعم القيام بمهمة معينة يراد بها خلط الأوراق وإعادة تشكيل الخريطة السياسية للبلاد للوصول إلى صيغة للحكم يجري التحضير لها من خلال الحوار الأممي الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة في ليبيا.

 

انطلقت الثورة المضادة في شرق البلاد ضعيفة هشة، إلا أنها سرعان ما استوت على سوقها بعد أن انشقت المؤسسات الأمنية والعسكرية، وأعلنت في بيانات منفصلة دعمها لعملية الكرامة، في الحين الذي توفرت لها حاضنة اجتماعية وفرتها القبائل التي دفعت بفلذات أكبادها وقودا للمعركة وعقدت ملتقيات أيدت فيها العملية وقائدها حفتر.

 

ومما زاد من صلابة عودها انتخابات مجلس النواب المنحل التي أفرزت نتائج متناغمة مع الثورة المضادة، فقد استقر البرلمان في مدينة طبرق الحدودية مع مصر مخالفا الإعلان الدستوري الذي ينص على انعقاده في مدينة بنغازي متجاوزا عرف الاستلام من المؤتمر الوطني العام، وأعطى الثقة لعبد الله الثني الذي شكل حكومته واتخذ من مدينة البيضاء مقرا لها، وقصر الجسمان جهودهما في جلب الدعم الكامل للعملية والتمكين لقائدها الذي استحدث له منصب القائد العام للجيش الليبي.

 

ورغم أن البرلمان المنحل قد أضفى الشرعية على عملية الكرامة وأصبحت من الناحية الإدارية والقانونية تابعة له فإن الواقع يقول بأنه واقع تحت انقلاب عسكري، حيث يشتكي أعضاء من البرلمان من تهديدات تطالهم حين انتقادهم العملية أو شخص قائدها في الوقت الذي يمنع فيه رئيس الحكومة عبد الله الثني من السفر أكثر من مرة، ويختطف فيه وزراء من الحكومة المؤقتة واقتيدوا نحو مدينة المرج التي يتخذ منها قائد العملية حفتر مقرا لإدارة عملياته العسكرية.

مضى سكان المنطقة الشرقية في تأييد العملية التي تدعي محاربة الإرهاب ورأوا فيها حلا للأزمة السياسية والأمنية التي تعيشها البلاد في الحين الذي صورت فيه الفضائيات الداعمة للثورة المضادة أن مهمتها ستنتهي في غضون أيام، لكن ما لم يدر في خلد الأكثرية أن الحرب ستطول وأنها منذ السنة ونصف السنة تراوح مكانها مخلفة الدمار والخراب الذي أتى على كامل أحياء بنغازي وتسبب في نزوح سكانها إلى المدن الليبية الأخرى.

 

ولأن بنغازي هي شريان حياة المنطقة الشرقية فقد تفاقمت الأزمات الإنسانية التي تسببت في شدة شتاء سنة الحرب الذي عد من أشد الشتاءات التي مرت على المنطقة، وتبعا لذلك خارت قوى الناس وفترت عزائمهم وانخفض التأييد الشعبي للعملية ورأوا في الحوار السياسي أملا ومخرجا فاستبدلت دعوات الحث على الحرب والقتال والتصفيق للعمليات العسكرية بدعوات الحوار والصلح والتسامح.

 

نتج عن كل ذلك بدء مرحلة الانقسام في معسكر الكرامة، حيث تفاقمت التصدعات والانشقاقات داخله، وأصبح انتقاد العملية وقائدها أمرا عاديا ولا سيما من قادة محاور القتال الذين استشعر بعضهم ببداية مرحلة الإبعاد والإقصاء وتصفية الحسابات التي تصحب حركات الانقلاب العسكري بعد استوائها، ففي الوقت الذي ألبست فيه جرائم العملية وفظائعها لبعض القادة كان البعض الآخر رهن الاحتجاز بعد أن استخدموا في مرحلة التحضير للعملية والقيام بأدوار مختلفة كان أبرزها بعض عمليات الاغتيال والتفجيرات.

 

ثمة عامل آخر كان سببا في حدوث الانشقاقات المتعاقبة يرجع إلى تركيبة معسكر الكرامة المتكونة غالبية قوته العسكرية من مجموعات جهوية تتخذ من الولاء للمنطقة الشرقية وجنوحها نحو الانفصال منطلقا، فقد استشعرت هذه المجموعات باستخدامها من قبل القائمين على مشروع الكرامة عندما كان يرفض قائدها حفتر الذي ترجع أصوله إلى المنطقة الغربية التلفظ بكلمة (برقة) التي تعتز بها هذه المجموعات وتحاول جاهدة أن تحيي هذا الاسم وتجعل منه انتماء.

 

ولأن العناصر العسكرية التي استخدمت في العملية ليست عناصر عسكرية منظمة كعناصر أي مؤسسة عسكرية، فهي متنوعة بين عسكريين سابقين متقاعدين أو عسكريين معطلين في زمن النظام السابق أو متطوعين من بعض القبائل والعشائر يحركهم دافع جهوي أو قبلي، فإنها سرعان ما تفككت بفعل هذه الانشقاقات وانقاد كل منها لقائده أو تبنى موقف قبيلته، فتكونت عناصر مختلفة الولاءات يتعذر علينا أن نضفي عليها صفة قوات الجيش الليبي.

 

تبعا لذلك كله تهلهلت قوات الكرامة وسرعان ما بدأت تصفية الحسابات داخله بين ملاحقة لقادة منشقين من قبل قيادة العملية والمحسوبين عليه أو سحب بعض القادة المنشقين قوات تابعة لهم من محاور القتال، الأمر الذي أحرز تقدما لصالح مجلس شورى ثوار بنغازي في مختلف المحاور.

في خضم هذه الأحداث كانت المفاجأة قد أطلت من مدينة درنة المحاصرة من قوات عملية الكرامة التي أعلنت مرات عديدة أن عملية تحرير درنة على وشك البداية.

 

كانت المفاجأة في نشوب الحرب في المدينة بين مكون مجلس شورى ثوار درنة والمنتسبين لتنظيم الدولة الإسلامية المسيطرين على المدينة عندما قاموا باغتيال قياديين في المجلس، حيث تمكنت قوات مجلس شورى ثوار درنة من طرد تنظيم الدولة خارج المدينة ودحر الإرهاب منها، وبدأت مؤسسات الدولة في العودة إلى المدينة.

 

وقد تسبب ذلك في إحراج القوات التي تحاصر المدينة منذ سنة، فما عجزت عنه هذه القوات في سنة فعله أبناء المدينة وثوارها في بضعة أيام، وبدأ السكان يتوصلون إلى قناعة عجزوا عن تفسيرها فترة من الزمن تختصر في أهمية أن يحاول أي مشروع انقلابي تقليدي إبقاء شماعة يطيل بها أمد بقائه وشرعيته.

غير بعيد من درنة يبرز ثوار مدينة طبرق والبيضاء الذين آثروا عدم دخول المدينتين في حرب كما حدث في مدينة بنغازي، فقد أعلن ثوار طبرق منتسبو كتيبة عمر المختار المكلفة بتأمين الحدود مع مصر وإحدى كتائب الثوار إبان حرب التحرير النفير العام حينما رأوا أن البرلمان المنحل قد مكن لعناصر من النظام السابق وزاد من جرأتهم أن تظاهر بعضهم في ميدان المدينة مطالبين بعودة سيف الإسلام القذافي للحكم بينما طالب آخرون بمجلس عسكري يحكم البلاد.

 

دعاهم ذلك إلى طرد هذه المجموعات من مدينتهم معلنين الاستيلاء على الميدان، كما أعلن ثوار البيضاء منتسبو كتيبة علي حسن الجابر إحدى أهم كتائب الثوار أثناء الثورة بيانا تمسكوا فيه بمبادئ الثورة رافضين الحكم العسكري معلنين حربهم ضد الإرهاب والتطرف مهما اختلفت مرجعيته، والتحق ثوار المدينتين بثوار درنة للقضاء على آخر معاقل تنظيم الدولة الإسلامية في ضواحي مدينة درنة وحققوا بالتحامهم تقدما واضحا على تنظيم الدولة مما جعل قوات الكرامة تسعى إلى عرقلة المساعدات والذخائر المخصصة للثوار، وأثار ذلك تساؤلات لدى الرأي العام حول استفادة قوات الكرامة من بقاء تنظيم داعش.

 

أما في الجنوب الشرقي حيث تقع مدينة الكُفْرة التي تتعرض لهجوم مستمر من قبل قوة من حركة العدل والمساواة السودانية المتحالفة مع اللواء المتقاعد حفتر بهدف الاستيلاء على المدينة التي اتخذ سكانها من قبيلة "زوية" موقفا سلبيا من عملية الكرامة منذ انطلاقها، فقد استطاع ثوارها وأبناؤها دحر قوات العدل والمساواة أكثر من مرة.

 

كل هذه الأحداث التي مرت -على اختلافها- على أرض المنطقة الشرقية في السنة الماضية قد غيرت من الخريطة العسكرية للمنطقة وأنذرت بواقع جديد لها ليس فيه مكان لقوى الثورة المضادة التي بدأت في الانهيار معلنة عودة جديدة لقوى الثورة التي علمنا التاريخ أنها قد تمر بانتكاسة لكنها لا تلبث إلا أن تعود وتولد من جديد.

 

قبل سنة كانت انتكاسة الثورة في ليبيا وها هي ليبيا الآن أمام موجة ثورية ولدت من جديد يصحبها وعي جديد ستسقط دونه كل أقنعة الثورة المضادة.

 

 

أبوبكر بلال

24282 تعليقات

  • Jamestrona 14 شباط/فبراير 2018

    cash advance a payday loan online loan [url=https://apaydayloan.bid]online payday loan lenders[/url] easy payday loans online easy online payday loans easy online payday loans [url=https://easyonlinepaydayloans.science]loans online no credit check[/url] the best online payday loans loans online bad credit payday loans for bad credit [url=https://loansonlinebadcredit.webcam]payday loan companies[/url] adultchat free erotic chat free chat rooms [url=https://freechatrooms.bid]free chat rooms[/url] writing my paper paper writing best essay writing service [url=https://bestessaywritingservice.cricket]i need help with my science homework[/url] loan cash online pay day loans online payday loan lender [url=https://onlinepaydayloanlender.loan]online payday loan application[/url]

  • Ace Homework 14 شباط/فبراير 2018

    custom thesis thesis statement thesis sentence writing a good thesis statement for an essay

  • Instant Online Loans 14 شباط/فبراير 2018

    loans unsecured personal loans unsecured unsecured loans for bad credit cash store loans

  • Third Grade Homework 14 شباط/فبراير 2018

    cover letters effective cover letters employment cover letter cover letters

  • Jamestrona 14 شباط/فبراير 2018

    essay writing essay writing essay writing writing my essay buy an essay school papers research essay can someone do my homework for me payday cash advance loan easy approval payday loans loans with no credit check pay day lenders same day loans installment loan same day loan same day loans

  • Jamestrona 14 شباط/فبراير 2018

    free sex chats webcam porn wife on webcam live webcam porn cash advance loan loan cash direct lenders for bad credit online payday advance loan milf show porn live chat bbw webcams live porn webcam the best online payday loans short term loans direct lenders payday loans online best online payday loans i need help with my assignment college essay buy essays buy essays

  • xtaletpynd 14 شباط/فبراير 2018

    viagra how long to work viagra coupon viagra price in usa order viagra viagra online prescription http://kqcopy.com

  • car insurance cheap 14 شباط/فبراير 2018

    auto insurance quotes comparison auto insurance quotes auto insurance quotes comparison cheap auto insurance quotes

  • Jamestrona 14 شباط/فبراير 2018

    essay corrector essay corrector illustration essay essay corrector online payday loan instant approval payday loans online direct lenders online loans direct lenders online loans direct lenders payday lenders direct direct lenders immediate payment loans payday lenders direct best online payday loans easy payday loans online best payday loans online easy payday loans online online payday loans instant approval bad credit payday loans payday loans for bad credit bad credit payday loans bad credit payday loans payday loan money loan online loan payday loan no credit check college application essay college essay help best website for essay writing college essay help payday advance loans direct payday lenders bad credit small loans no credit check quick loans assignment help in australia college essay writer college essay writer where can i buy essays online

  • Robertcex 14 شباط/فبراير 2018

    cialis annual sales 2011 20mg

    http://candiancialisuy.com/ - generic cialis online

    buy cialis onlinediscount viagra cannada

    http://viagralkas.com/ - buy viagra

    buy viagra onlinebritish viagra

    http://viagranelius.com/ - generic viagra

    online viagra

رأيك في الموضوع