Arabic English French German Italian Spanish

قتلوه قتلهم الله

من الصعوبة أن أتكلم في هذه العجالة والمساحة المحدّدة عن رجل عظيم، وسيّد كريم! ملأ ليبيا ـ وبنغازي خاصة ـ وشغل الناس ..
وماذا عَـسـايَ أقول وأكتب وأدوِّن؟
وكلّ موقف وحَدَث يحتاج لأوراق كثيرة ، وأجزاء متتابعة ، ولن تكفيه أو تحيط به!
عاش يتيماً .. فقد فقَـد أباه منذ الصّغر، وتكفَّلت أمُّه برعايته وتربيته على الفضيلة والعزة والأنفة، وألحقته بكُتَّاب الامام مالك بأرض زواوة؛ فنشأ بين أهل القرآن، وصار يتتبع المشايخ وحِـلَق العلم، حتى وصل للجامعة ودرَس اللغة العربية بكلية الآداب، كان متفوقاً متميزاً في سنوات دراستِه، وقد سبب له هذا التفوق مشاكلَ مع بعض الأساتذة غيرة منه، وهو ما عطَّله عن مواصلة التحضير بعد تخرُّجه ..


انشغل بالقراءة والطّلب، حتى تمكن من ضرورات العلم، وصار يجوب المساجد واعظاً ومعلماً ومرشداً ..
أما الخطابة فلا تسل عنها .. في فصاحته وإلقائه وحسن بيانه، وقد قصده أهل بنغازي من كل مكان، وصار مسجده يوم الجمعة قبلةَ المشايخ وطلبة العلم، يـقوُّون بها إيمانهم، ويشعلون بها حماسهم، ويتزودون من جمال البيان وحسن الإلقاء .
كان معلِّما للقرآن، وحفظ على يديه الكثيرون .. ودرس عنده الأكثرون.
كان الشيخ ـ رحمه الله ـ شعلة من النشاط، وآية في العطاء .. لا يكل ولا يمل .
أتَّـصِلُ به في ساعات متأخرة من الليل: يا شيخ نـريدك غداً في محاضرة، في مكان كذا عن موضوع كذا!
فيرد: تمام، إن شاء الله .. لا اعتراض ولا تعلّل ولا "تكرّب" !


بَقيتُ معه مدة طويلة بالأوقاف فرأيت فيه الحماس والجِدَّ وحبّ التجديد والحرص على النفع، وأكثر ما يشغله هو تربية الناس عن طريق المساجد، وكيفية تغييرهم والرقي بمستوى الفهم والإدراك؛ فينوع النشاط ويتصل بالعلماء من داخل البلاد وخارجها وينسق معهم ويستشيرهم ..
كان لا يحب الجدل ولا الخوض فيما لا ينفع، وإذا حدث أمرٌ مفاجئ صار فيه لغط، سحب نفسه بهدوء .. فهذه طبيعته ..
وكان بشوشاً ضحوكاً صاحب طرفة، يحب نوادر الأشياء ويكره التكلّف والتثاقل والثقلاء!
كان سريع التأثر بالمواقف التي يسمعها من حوله، ويبذل ما بوسعه ليسد حاجةً، أو يساعد محتاجاً ..
كان يحمل همّ الدّعوة، ويعتصر فؤاده لحال الأمة، ويتتبع بحرقة ما يجري في بلاد الإسلام وما يُكاد للمسلمين ..
كان منبره حاضراً دائماً في قضايا الإسلام، وقضايا المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ، ولا يخص مدينته وبلاده .. يحث الناس على أن يعيشوا لأمتهم ويُشغلوا أنفسهم بقضاياها، هكذا كان منبره .. منبر هدى ورحمة، منبر تذكير وموعظة، منبر هداية ونور، منبر توجيه وترشيد، منبر تحذير ترغيب ..
كان صاحب كلمات مؤثرة ، كان إذا تكلم أسمع، وإذا وعظ أدمَعَ، وإذا خطب أقنع، وإذا ثار أفزع، وإذا تحدّث أبدع ..
لا أظن أن له أعداء ـ غير أعداء الثورة ـ فهو يحبُّ الناس جميعا ويحبونه، حتى من آذاه سرعان ما يصفحُ عنه، وأنا على يقين وهذا ليس تألياً على الله ولكنّي خبرتُه وعرفتُه سنين عدداًـ لو قدَّر الله للشيخ أن يعود للدنيا لعَـفى عن قاتله ..


هكذا هو .. حييّ .. كريم .. طيب القلب .. يعفو ويصفح .. وقد رأيت أناسا آذوه كثيرا ، وبمجرد ما حضروا بين يديه عفى عنهم .. بل هناكَ صفحةٌ في الفـيس حرّضتْ على قتله ونشرتْ الأكاذيبَ والشائعات حوله ، ولمّا عُرفَ صاحبُها ، وهمّ طلابه ومحبّوه بتتبعه وفرك أذنه ، أتاه أهله وأقرباؤه فصفح عنه الشيخ ، ونصحهم نصيحة محبّ ومشفق على ولدهم ، فخرجوا من عنده وهم بين المعظِّمين لحاله ، والمكبِرين لشهامته ونخوته ورجولته!!
ينفعل أحيانا فتمر لحظتها فلا ترى شيئا!


رغم حيائه وطيبته إلا انه لا يداهن ولا يجامل ولا ينافق .. يقول الحق ولو على قطع رقبته وهذا ما رأيناه ..
ولذا غدروا به .. لقدْ قتلوه لأنه كان يفضح الانقلابيين وأذنابَهم، ولم يسكت عن خيانات البرلمان، وكان يصدحُ بالحقّ في كل مكان، في مسجده وفي ساحة الحرية وفي جلساته ولقاءاته التلفزيونية، فقد كانت كلماته مؤثرة ووقفته قوية مدوية تفعل فعلها بأهل بنغازي؛ لأنهم يعرفون صدقه ووطنيته وتُقاه، ولا يمكن لمثله أن يغشهم فالرائد لا يكذب أهله .. فصار صوتُ الشيخِ مزعجاً للأزلام ونشازاً للانقلابيين، وصار واجباً عندهم إخماد صوته وإسكاته .. حتى أتَوْا أمرَهم المنكرَ، وفعلوا فعلتَهُم الشنيعةَ ..


قــتلوك يـا زَيـنَ الرجــال؟ أما دروْا ** أن الحَـياةَ بقـتلكُم ستَطـولْ
ستكون وصْلًا في الجنان بشارةً ** بالنعمة الكبرى وحُسْنِ قبولْ


وقد كانت ميتته كحياته ـ تقبّله الله ـ أحيت الناس ونبهتهم ، وكأنهم كانوا في سكرة فأفاقوا منها ،عرفوا عدوهم ومن يعبث بهم ..
كان يوم قتله كئيبا حزينا على بنغازي .. بكاه جميع الناس حتى من اختلفوا معه (من أصحاب الشرف أعني..)!
وكان موكبُ جنازتِه مَهيباً عظيماً، أقفلت الطرق المجاورة، واصطَـفَّ الناسُ في الشارع؛ فقد ازدَحَم المسجدُ وساحته، وكان النَّاس يصيحون ويتباكَون .. والدهشة على وجوههم، كأنهم غيرُ مصدّقين، وتمنَّوا أن يكون الخبر مجرّد إشاعة .. حتى مرّ التابوت من أمامهم فخارت قواهم، وارتفع عويلهم حتى بحّت أصواتهم الرجال صاروا كالأطفال .. أثر الحسرة والفاجعة والمصيبة بادية على وجوههم، تترجمها دموعهم، وسقط بعضهم مغمًى عليه..  ولكن قضاء الله ماض وحكمه نافذ .. ولا نقول إلا ما يُـرضي ربَّنا .
وصَـبَّرهُم أن خاتمتَه تمناها كلُّ أسد من آساد الأمة، فهو خارج من صلاة العشاء، ومغدور، وقتل لأنه ثبت على كلمة الحق ومات من أجلها .. صبّرهم أنه عاش كريماً فارساً شريفاً شجاعاً ومات كما يتمنى الأبطال .. فلا نامت أعين الجبناء عبّاد الطواغيت..
كنت أنصحه بالخروج فيأبى، ولمّا سمع أنِّي مهدَّد بالقـتل ألحّ عليّ أن أخرج، فقلت: وأنت؟ هل نسيت أنك في خطر أكبر، وأنّك مهدّد أيضا؟ قال لي: "أنا عادي، المهم أنت!!" وكلمته أخرى فقال: "خليها بجوّها!!" ..


هكذا كان حريصاً على إخوانه، وهو يفديهم ويفدي أمته بنفسه، وآخر شيء يفكر فيه هو حياتُه ونفسُه ..
ويحك أيها القاتل! أيّ رجل قتلت؟! وأيَّ باب للخير أقفلت؟! لقد قُتلت إماماً خطيباً معلّما للقرآن ناشراً للعلم واعظاً ناصحاً بابا من أبواب الخير كان في حاجة الناس وعوناً للفقراء واليتامى .. ويحك أيها الشقيّ، كيف ستلقى ربّك بهذا الجرم العظيم أنت ومن أزّك وحرّضك؟


أمّا أنت أخي الحبيب النبيل فهنيئا لك .. أدَّيتَ أمانتك، وعشتَ ومُتّ لأمتك، وفي سبيل دينك كان محياك ومماتُك .
رحمك الله أيها الشيخ ، أوقدت فينا جذوة العزِّ والثبات ..
ستظل كلماتك حيَّةً محرِّكةً نبراساً تعيشُ بيننا ، كيف لا وقد سقَيتَها بدمِك الطَّاهِر!
وقد قلت ساعة سماع خبر مقتله


خَطْبٌ يَجِـلُّ وأنفُـسٌ تَتَــوَجَّعُ ** ومُـصِيبَة حَـلّت فَــسُحَّتْ أدْمُـعُ
يا أيُّـهَا النّــاعِي تَـرفَّــقْ إنّـنَا ** من هَـوْل مَا ألـقَيتَ فـينا فُـجَّـعُ
أوَّاهُ مِن نفْسِي وحَالِي بعْده ** كَيف اصْطِباري عنْه كيف سَأقْنَعُ؟
كَيفَ الحيَـاة هنَـاؤُهُا وجَمَـالُها ** و"نبيلُ ساطي" للحَـياة مـودِّعُ؟
ذهَبَ النَّبيلُ بقَلبِيَ المَكْلُومِ،هل** ذهب الحَبيبُ؟ وهل تُرَاه سَيرجِعُ؟
رحَلَ النّبِيلُ ؟ لمَنْ أقُـولُ مخَـاطباً ** يـا "بلبلٌ" فـيجِـيبُ لَا يـترَفَّـع
رجَلَ النبيلُ ؟ فمَنْ يُجـَلْجِلُ سَاحَة التَّـ **حْرِيرِ بعْدُ ،ومَن يقُولُ فيُسْمِعُ
قد كنتَ فارِسَها وكنْتَ خطِيبَها ** كنتَ المُـحرِّض للأسُـودِ وتَـدفَع
لم يُثـنِكَ التَّهْدِيدُ عَن قوْلٍ وَلا ** فِعْلٍ ولـمْ تَـكُ خَــائفاً إذْ أجْـمَـعُوا
يَـبْكيكَ مِـنبَرُكَ الـذِي مَاخُنتَهُ ** منذُ اعْـتَلَـيْتَ وبـالحَـقِيقَة تَصْـدَعُ
ماكنتُ أحْـسِبُ أنّنِي سَأرَاكَ فِي ** كَـفَنٍ وحَوْلـك بَاكِـيَاتٌ خُشَّعُ
كمْ كُنتُ آمُـلُ أنْ أكونَ مُرَجَّـلًا ** ، وتَكُـونَ أنتَ الـرّاثِيَ ، الـمَتَوجِّعُ
طُوبى ، لقدْ فَازَ الذِي مِن شَأنِه ** حَمَلَ الكِـتابَ وللــعُلَا يتـطَلَّعُ
طُـوبَى لمَـنْ أمَّ الـعِبادَ مـحَافظَا ** وخــتامُـه بـعدَ الصَّـلاة يُـودِّعُ
طُوبى لِمَن قَتَلُوهُ غَدْرا وَهْوَ لَا * يُشغِـلْه عَن حَالِ البِلادِ المَطْمَع
طوبى لمن ظلَّ الحَيَاةَ مجَاهَداً ** يَهْدِي العُقُولَ وبالمَحَجَّةِ يَقْرَعُ
طُوبَى لمَن خَتَمَ الحَيَاةَ شَهَادَةً ** ذَاكَ اصْطـفَاء اللهِ وهْـوَ الأَرفَـعُ
مَاذَا نَقُولُ سِوَى إِلَهِى اخْلُف لَنَا ** واجعَلْ عُبَيْدَك فِي الجِنَان يُمتَّعُ
واحشُرْهُ بينَ المُصْطَفَينَ وخُصَّنا ** بلـقَاه إذْ يَـوْم القِـيَامَةِ يشْـفَعُ

بشير بالراس علي

18 كانون1 2014 2 تعليقات
(0 أصوات)
قتلوه قتلهم الله

من الصعوبة أن أتكلم في هذه العجالة والمساحة المحدّدة عن رجل عظيم، وسيّد كريم! ملأ ليبيا ـ وبنغازي خاصة ـ وشغل الناس ..
وماذا عَـسـايَ أقول وأكتب وأدوِّن؟
وكلّ موقف وحَدَث يحتاج لأوراق كثيرة ، وأجزاء متتابعة ، ولن تكفيه أو تحيط به!
عاش يتيماً .. فقد فقَـد أباه منذ الصّغر، وتكفَّلت أمُّه برعايته وتربيته على الفضيلة والعزة والأنفة، وألحقته بكُتَّاب الامام مالك بأرض زواوة؛ فنشأ بين أهل القرآن، وصار يتتبع المشايخ وحِـلَق العلم، حتى وصل للجامعة ودرَس اللغة العربية بكلية الآداب، كان متفوقاً متميزاً في سنوات دراستِه، وقد سبب له هذا التفوق مشاكلَ مع بعض الأساتذة غيرة منه، وهو ما عطَّله عن مواصلة التحضير بعد تخرُّجه ..


انشغل بالقراءة والطّلب، حتى تمكن من ضرورات العلم، وصار يجوب المساجد واعظاً ومعلماً ومرشداً ..
أما الخطابة فلا تسل عنها .. في فصاحته وإلقائه وحسن بيانه، وقد قصده أهل بنغازي من كل مكان، وصار مسجده يوم الجمعة قبلةَ المشايخ وطلبة العلم، يـقوُّون بها إيمانهم، ويشعلون بها حماسهم، ويتزودون من جمال البيان وحسن الإلقاء .
كان معلِّما للقرآن، وحفظ على يديه الكثيرون .. ودرس عنده الأكثرون.
كان الشيخ ـ رحمه الله ـ شعلة من النشاط، وآية في العطاء .. لا يكل ولا يمل .
أتَّـصِلُ به في ساعات متأخرة من الليل: يا شيخ نـريدك غداً في محاضرة، في مكان كذا عن موضوع كذا!
فيرد: تمام، إن شاء الله .. لا اعتراض ولا تعلّل ولا "تكرّب" !


بَقيتُ معه مدة طويلة بالأوقاف فرأيت فيه الحماس والجِدَّ وحبّ التجديد والحرص على النفع، وأكثر ما يشغله هو تربية الناس عن طريق المساجد، وكيفية تغييرهم والرقي بمستوى الفهم والإدراك؛ فينوع النشاط ويتصل بالعلماء من داخل البلاد وخارجها وينسق معهم ويستشيرهم ..
كان لا يحب الجدل ولا الخوض فيما لا ينفع، وإذا حدث أمرٌ مفاجئ صار فيه لغط، سحب نفسه بهدوء .. فهذه طبيعته ..
وكان بشوشاً ضحوكاً صاحب طرفة، يحب نوادر الأشياء ويكره التكلّف والتثاقل والثقلاء!
كان سريع التأثر بالمواقف التي يسمعها من حوله، ويبذل ما بوسعه ليسد حاجةً، أو يساعد محتاجاً ..
كان يحمل همّ الدّعوة، ويعتصر فؤاده لحال الأمة، ويتتبع بحرقة ما يجري في بلاد الإسلام وما يُكاد للمسلمين ..
كان منبره حاضراً دائماً في قضايا الإسلام، وقضايا المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ، ولا يخص مدينته وبلاده .. يحث الناس على أن يعيشوا لأمتهم ويُشغلوا أنفسهم بقضاياها، هكذا كان منبره .. منبر هدى ورحمة، منبر تذكير وموعظة، منبر هداية ونور، منبر توجيه وترشيد، منبر تحذير ترغيب ..
كان صاحب كلمات مؤثرة ، كان إذا تكلم أسمع، وإذا وعظ أدمَعَ، وإذا خطب أقنع، وإذا ثار أفزع، وإذا تحدّث أبدع ..
لا أظن أن له أعداء ـ غير أعداء الثورة ـ فهو يحبُّ الناس جميعا ويحبونه، حتى من آذاه سرعان ما يصفحُ عنه، وأنا على يقين وهذا ليس تألياً على الله ولكنّي خبرتُه وعرفتُه سنين عدداًـ لو قدَّر الله للشيخ أن يعود للدنيا لعَـفى عن قاتله ..


هكذا هو .. حييّ .. كريم .. طيب القلب .. يعفو ويصفح .. وقد رأيت أناسا آذوه كثيرا ، وبمجرد ما حضروا بين يديه عفى عنهم .. بل هناكَ صفحةٌ في الفـيس حرّضتْ على قتله ونشرتْ الأكاذيبَ والشائعات حوله ، ولمّا عُرفَ صاحبُها ، وهمّ طلابه ومحبّوه بتتبعه وفرك أذنه ، أتاه أهله وأقرباؤه فصفح عنه الشيخ ، ونصحهم نصيحة محبّ ومشفق على ولدهم ، فخرجوا من عنده وهم بين المعظِّمين لحاله ، والمكبِرين لشهامته ونخوته ورجولته!!
ينفعل أحيانا فتمر لحظتها فلا ترى شيئا!


رغم حيائه وطيبته إلا انه لا يداهن ولا يجامل ولا ينافق .. يقول الحق ولو على قطع رقبته وهذا ما رأيناه ..
ولذا غدروا به .. لقدْ قتلوه لأنه كان يفضح الانقلابيين وأذنابَهم، ولم يسكت عن خيانات البرلمان، وكان يصدحُ بالحقّ في كل مكان، في مسجده وفي ساحة الحرية وفي جلساته ولقاءاته التلفزيونية، فقد كانت كلماته مؤثرة ووقفته قوية مدوية تفعل فعلها بأهل بنغازي؛ لأنهم يعرفون صدقه ووطنيته وتُقاه، ولا يمكن لمثله أن يغشهم فالرائد لا يكذب أهله .. فصار صوتُ الشيخِ مزعجاً للأزلام ونشازاً للانقلابيين، وصار واجباً عندهم إخماد صوته وإسكاته .. حتى أتَوْا أمرَهم المنكرَ، وفعلوا فعلتَهُم الشنيعةَ ..


قــتلوك يـا زَيـنَ الرجــال؟ أما دروْا ** أن الحَـياةَ بقـتلكُم ستَطـولْ
ستكون وصْلًا في الجنان بشارةً ** بالنعمة الكبرى وحُسْنِ قبولْ


وقد كانت ميتته كحياته ـ تقبّله الله ـ أحيت الناس ونبهتهم ، وكأنهم كانوا في سكرة فأفاقوا منها ،عرفوا عدوهم ومن يعبث بهم ..
كان يوم قتله كئيبا حزينا على بنغازي .. بكاه جميع الناس حتى من اختلفوا معه (من أصحاب الشرف أعني..)!
وكان موكبُ جنازتِه مَهيباً عظيماً، أقفلت الطرق المجاورة، واصطَـفَّ الناسُ في الشارع؛ فقد ازدَحَم المسجدُ وساحته، وكان النَّاس يصيحون ويتباكَون .. والدهشة على وجوههم، كأنهم غيرُ مصدّقين، وتمنَّوا أن يكون الخبر مجرّد إشاعة .. حتى مرّ التابوت من أمامهم فخارت قواهم، وارتفع عويلهم حتى بحّت أصواتهم الرجال صاروا كالأطفال .. أثر الحسرة والفاجعة والمصيبة بادية على وجوههم، تترجمها دموعهم، وسقط بعضهم مغمًى عليه..  ولكن قضاء الله ماض وحكمه نافذ .. ولا نقول إلا ما يُـرضي ربَّنا .
وصَـبَّرهُم أن خاتمتَه تمناها كلُّ أسد من آساد الأمة، فهو خارج من صلاة العشاء، ومغدور، وقتل لأنه ثبت على كلمة الحق ومات من أجلها .. صبّرهم أنه عاش كريماً فارساً شريفاً شجاعاً ومات كما يتمنى الأبطال .. فلا نامت أعين الجبناء عبّاد الطواغيت..
كنت أنصحه بالخروج فيأبى، ولمّا سمع أنِّي مهدَّد بالقـتل ألحّ عليّ أن أخرج، فقلت: وأنت؟ هل نسيت أنك في خطر أكبر، وأنّك مهدّد أيضا؟ قال لي: "أنا عادي، المهم أنت!!" وكلمته أخرى فقال: "خليها بجوّها!!" ..


هكذا كان حريصاً على إخوانه، وهو يفديهم ويفدي أمته بنفسه، وآخر شيء يفكر فيه هو حياتُه ونفسُه ..
ويحك أيها القاتل! أيّ رجل قتلت؟! وأيَّ باب للخير أقفلت؟! لقد قُتلت إماماً خطيباً معلّما للقرآن ناشراً للعلم واعظاً ناصحاً بابا من أبواب الخير كان في حاجة الناس وعوناً للفقراء واليتامى .. ويحك أيها الشقيّ، كيف ستلقى ربّك بهذا الجرم العظيم أنت ومن أزّك وحرّضك؟


أمّا أنت أخي الحبيب النبيل فهنيئا لك .. أدَّيتَ أمانتك، وعشتَ ومُتّ لأمتك، وفي سبيل دينك كان محياك ومماتُك .
رحمك الله أيها الشيخ ، أوقدت فينا جذوة العزِّ والثبات ..
ستظل كلماتك حيَّةً محرِّكةً نبراساً تعيشُ بيننا ، كيف لا وقد سقَيتَها بدمِك الطَّاهِر!
وقد قلت ساعة سماع خبر مقتله


خَطْبٌ يَجِـلُّ وأنفُـسٌ تَتَــوَجَّعُ ** ومُـصِيبَة حَـلّت فَــسُحَّتْ أدْمُـعُ
يا أيُّـهَا النّــاعِي تَـرفَّــقْ إنّـنَا ** من هَـوْل مَا ألـقَيتَ فـينا فُـجَّـعُ
أوَّاهُ مِن نفْسِي وحَالِي بعْده ** كَيف اصْطِباري عنْه كيف سَأقْنَعُ؟
كَيفَ الحيَـاة هنَـاؤُهُا وجَمَـالُها ** و"نبيلُ ساطي" للحَـياة مـودِّعُ؟
ذهَبَ النَّبيلُ بقَلبِيَ المَكْلُومِ،هل** ذهب الحَبيبُ؟ وهل تُرَاه سَيرجِعُ؟
رحَلَ النّبِيلُ ؟ لمَنْ أقُـولُ مخَـاطباً ** يـا "بلبلٌ" فـيجِـيبُ لَا يـترَفَّـع
رجَلَ النبيلُ ؟ فمَنْ يُجـَلْجِلُ سَاحَة التَّـ **حْرِيرِ بعْدُ ،ومَن يقُولُ فيُسْمِعُ
قد كنتَ فارِسَها وكنْتَ خطِيبَها ** كنتَ المُـحرِّض للأسُـودِ وتَـدفَع
لم يُثـنِكَ التَّهْدِيدُ عَن قوْلٍ وَلا ** فِعْلٍ ولـمْ تَـكُ خَــائفاً إذْ أجْـمَـعُوا
يَـبْكيكَ مِـنبَرُكَ الـذِي مَاخُنتَهُ ** منذُ اعْـتَلَـيْتَ وبـالحَـقِيقَة تَصْـدَعُ
ماكنتُ أحْـسِبُ أنّنِي سَأرَاكَ فِي ** كَـفَنٍ وحَوْلـك بَاكِـيَاتٌ خُشَّعُ
كمْ كُنتُ آمُـلُ أنْ أكونَ مُرَجَّـلًا ** ، وتَكُـونَ أنتَ الـرّاثِيَ ، الـمَتَوجِّعُ
طُوبى ، لقدْ فَازَ الذِي مِن شَأنِه ** حَمَلَ الكِـتابَ وللــعُلَا يتـطَلَّعُ
طُـوبَى لمَـنْ أمَّ الـعِبادَ مـحَافظَا ** وخــتامُـه بـعدَ الصَّـلاة يُـودِّعُ
طُوبى لِمَن قَتَلُوهُ غَدْرا وَهْوَ لَا * يُشغِـلْه عَن حَالِ البِلادِ المَطْمَع
طوبى لمن ظلَّ الحَيَاةَ مجَاهَداً ** يَهْدِي العُقُولَ وبالمَحَجَّةِ يَقْرَعُ
طُوبَى لمَن خَتَمَ الحَيَاةَ شَهَادَةً ** ذَاكَ اصْطـفَاء اللهِ وهْـوَ الأَرفَـعُ
مَاذَا نَقُولُ سِوَى إِلَهِى اخْلُف لَنَا ** واجعَلْ عُبَيْدَك فِي الجِنَان يُمتَّعُ
واحشُرْهُ بينَ المُصْطَفَينَ وخُصَّنا ** بلـقَاه إذْ يَـوْم القِـيَامَةِ يشْـفَعُ

بشير بالراس علي

2 تعليقات

  • Theron 11 آب/أغسطس 2017

    Do you mind if I quote a couple of your posts as long as I provide credit and sources back to
    your website? My website is in the very same niche as yours and my
    visitors would truly benefit from some of the information you present here.
    Please let me know if this ok with you. Thanks a lot!

  • Frieda 28 تموز/يوليو 2017

    Wonderful site you have here but I was wondering if you knew of any community forums that cover the
    same topics talked about in this article? I'd really love to be a
    part of community where I can get responses from other knowledgeable individuals that share
    the same interest. If you have any suggestions, please let me
    know. Thank you!

رأيك في الموضوع