Arabic English French German Italian Spanish

مسؤولية الكلمة

الصِّدقُ يهدِي إلى البرّ، والكذِب يهدِي إلى الفجور، والكلِمةُ مسؤوليّة، والكلامُ بناءٌ أو تدمِير، ومَن قلّ صدقُه كثُر خطؤه، وأهلُ الكلامِ وحملةُ الأقلام ورِجالُ الإعلام هم ممن يسنُّون سُنناً حسَنةً وسنناً سيّئة، هم شركاءُ في الأجرِ حين الإحسان، وحمَّالو أوزارٍ حين الإساءةِ إلى يوم القيامَة،وما قامَت المللُ والنحَل والمذاهب والأحزاب والفِرق والطوائفُ في الدِّين والدنيا إلاَّ على اللّسانِ والسنان، كما قال تعالى: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَةُ}، وإنَّ من المؤسفِ - والعصرُ عصرُ إعلام والدولة لأهلِ الكلامِ والأقلام - أنَّ كثيراً من الكتَبَة والمحاورين يطلِقونَ الكلماتِ والمقالاتِ لا يُلقون لها بالاً، لا يراجِعون ولا يتراجَعون.


وهذهِ مناصحةٌ للنَّفس وخطابٌ لكلّ مسلِم، وبخاصّةٍ من يتوَسَّم فيهم الخير وحبُّ الناصحين وقَبول الحقّ إذا تبيَّن له، ممن ابتُلوا ببلوَى الكلِمةِ كتابةً وإذاعة، سماعاً ومشاهَدة، إنه والله ابتلاءٌ معتِقٌ أو موبق، وإنَّ من الخير لمن أراد الله به الخيرَ أن يكونَ رحبَ الصدر، واثقَ النفس، يستمِع إلى النُّصح بودٍّ وحبّ، ألا تحبّ أن يستعملَك الله في طاعتِه وأن تحسِنَ إلى عبادِه، فتمتلكَ الشجاعةَ في معاتبة النفس والقدرة على ضبط القلم واللسان؟! فلا تقفُ ما ليسَ لك به عِلم، ولتجتنبِ الافتراءَ على الآخرين، حتى تظلَّ الفتنُ نائمةً والأمّة متلاحمة، ولو على المفضول من المسائل والمرجوحِ مِنَ الأحكامِ اقتداءً بالرّسول الأكرَم يومَ فتحِ مكة، حين ترك إعادةَ بناءِ الكعبةِ جمعاً للكلمة ودَرءاً للفِتنة وتلافيا للفُرقة، وحِين صوّبَ كِلا الطائفتين المبعوثتَين لبني قريظة، كن طالبَ حقٍّ لا طالبَ انتصار، وكُن مبدِيَ نصحٍ لا باحثاً عن إدانة، كن فرِحاً ومحبّاً أن يُجرِيَ الله الحقَّ على لسانِ صاحبك، لا تجِد حرجاً في سؤالِ أهلِ الذكر، ففوقَ كلِّ ذي علمٍ عليم، ومَن غايتُه الحقُّ فسبيلُه أن لا تأخذَه العزّةُ بالإثم، وإذا قيلَ له: اتّق الله أذعَن وسلَّم، يحاسِب نفسَه قبلَ أن يحاسَب، قد علِم أنّ الكيِّسَ من دان نفسَه وعمِل لما بعد الموت، وأبناءُ الفِطرَة رجّاعون إلى الحقّ، برَرَةٌ رحماءُ، يحملون همومَ أمَّتهم، يهدونها طريقَ الحقِّ، ويوردونها مواردَ النَّجاة.


أيّها الكاتِب والمتكلّم، يجبُ أن تحترمَ أخاك ومحدِّثَك وقارئك وسامعَك، تحترمُ فيهم جميعاً ذكاءَهم وإدراكَهم للحقائقِ وتمييزَهم للباطل والنِّفاق والمداهنة، والمواقف تحدِّدها مصادرُ التلقِّي، وقبل ذلك وبعدَه الجدّ كلّ الجدِّ في الإخلاص ومحضِ النّصح وزكاءِ النفس وحبّ إخوانك.


يقال ذلك لِما يظهر في السّاحة من كتَبَة ومتحدِّثين لا ينتَمون للحوارِ المتعقِّل والطَّرح المتَّزن والمسلَك المعتدل والنقاش المنصف، بل تطغى في كتاباتهم وتحليلاتهم وحواراتهم الانتهازيَّة، وفي بعضِ مناقشاتهم وتحليلاتهم اقتياتًا على الأحداث وعَيشاً على الكوارثِ واستحلابًا للأزَمات، لا يناقشون المشكلةَ من جذورها، ولا يتعاملون مع الجهةِ المسؤولة عنها من أجلِ الإسهام في حلِّها، وإذا نزلت نازلةٌ أو حلَّت واقعة تنافسَ بعض الكتَّاب والمحلِّلين والإخباريِّين لا للإسهام في حلِّ الكارثة أو الخروجِ من الأزمة، بل لتفريقِ الأفكارِ وسَلبِ المجتمع أغلى ما يملك، إمّا في دينِه أو في عفَّتِه وحِشمته أو في تعليمِه وتربيّته، في تصفيةِ حساباتٍ فكريّة أو مواقفَ شخصيّة.

إنّ من المتعيِّن في كلّ قضيَّةٍ تطرَح أو مشكلة تناقَش أو نازلةٍ تحلّ أن توزَن بميزانِ الأدلة الشرعيّة، وميزانِ المصلحةِ العليا ومراعاة المصالح والمفاسدِ، مع إخلاصِ النيةِ والتجرُّد، في أجواء من المحبّة والمودّة وتحرِّي الحقِّ وإحسان الظنِّ، من غير خضوعٍ لضغوطٍ خارجية أو لفكرٍ غير مسلِم أو غير سليم، والعِصمةُ ليست مدَّعاةً لأحَد، فكلّ ابنِ آدم خطّاء، ولكنَّ المتعيِّن سلوكُ نهج الاعتدال والقصد في كلمةٍ سواء مع الابتعادِ عن التحريض والدَّس، فليس النقدُ ولا الإصلاح بالهمز واللَّمز، ولكنه ذاك الذي يستهدف الإصلاحَ والتقويم، ويقوِّي عُرى المجتمع، ويثبِّت وحدتَه، ولا يوهن عُراه.

أ. بشير القنيدي

 

09 شباط 2015 1 تعليق
(0 أصوات)
مسؤولية الكلمة

الصِّدقُ يهدِي إلى البرّ، والكذِب يهدِي إلى الفجور، والكلِمةُ مسؤوليّة، والكلامُ بناءٌ أو تدمِير، ومَن قلّ صدقُه كثُر خطؤه، وأهلُ الكلامِ وحملةُ الأقلام ورِجالُ الإعلام هم ممن يسنُّون سُنناً حسَنةً وسنناً سيّئة، هم شركاءُ في الأجرِ حين الإحسان، وحمَّالو أوزارٍ حين الإساءةِ إلى يوم القيامَة،وما قامَت المللُ والنحَل والمذاهب والأحزاب والفِرق والطوائفُ في الدِّين والدنيا إلاَّ على اللّسانِ والسنان، كما قال تعالى: {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَةُ}، وإنَّ من المؤسفِ - والعصرُ عصرُ إعلام والدولة لأهلِ الكلامِ والأقلام - أنَّ كثيراً من الكتَبَة والمحاورين يطلِقونَ الكلماتِ والمقالاتِ لا يُلقون لها بالاً، لا يراجِعون ولا يتراجَعون.


وهذهِ مناصحةٌ للنَّفس وخطابٌ لكلّ مسلِم، وبخاصّةٍ من يتوَسَّم فيهم الخير وحبُّ الناصحين وقَبول الحقّ إذا تبيَّن له، ممن ابتُلوا ببلوَى الكلِمةِ كتابةً وإذاعة، سماعاً ومشاهَدة، إنه والله ابتلاءٌ معتِقٌ أو موبق، وإنَّ من الخير لمن أراد الله به الخيرَ أن يكونَ رحبَ الصدر، واثقَ النفس، يستمِع إلى النُّصح بودٍّ وحبّ، ألا تحبّ أن يستعملَك الله في طاعتِه وأن تحسِنَ إلى عبادِه، فتمتلكَ الشجاعةَ في معاتبة النفس والقدرة على ضبط القلم واللسان؟! فلا تقفُ ما ليسَ لك به عِلم، ولتجتنبِ الافتراءَ على الآخرين، حتى تظلَّ الفتنُ نائمةً والأمّة متلاحمة، ولو على المفضول من المسائل والمرجوحِ مِنَ الأحكامِ اقتداءً بالرّسول الأكرَم يومَ فتحِ مكة، حين ترك إعادةَ بناءِ الكعبةِ جمعاً للكلمة ودَرءاً للفِتنة وتلافيا للفُرقة، وحِين صوّبَ كِلا الطائفتين المبعوثتَين لبني قريظة، كن طالبَ حقٍّ لا طالبَ انتصار، وكُن مبدِيَ نصحٍ لا باحثاً عن إدانة، كن فرِحاً ومحبّاً أن يُجرِيَ الله الحقَّ على لسانِ صاحبك، لا تجِد حرجاً في سؤالِ أهلِ الذكر، ففوقَ كلِّ ذي علمٍ عليم، ومَن غايتُه الحقُّ فسبيلُه أن لا تأخذَه العزّةُ بالإثم، وإذا قيلَ له: اتّق الله أذعَن وسلَّم، يحاسِب نفسَه قبلَ أن يحاسَب، قد علِم أنّ الكيِّسَ من دان نفسَه وعمِل لما بعد الموت، وأبناءُ الفِطرَة رجّاعون إلى الحقّ، برَرَةٌ رحماءُ، يحملون همومَ أمَّتهم، يهدونها طريقَ الحقِّ، ويوردونها مواردَ النَّجاة.


أيّها الكاتِب والمتكلّم، يجبُ أن تحترمَ أخاك ومحدِّثَك وقارئك وسامعَك، تحترمُ فيهم جميعاً ذكاءَهم وإدراكَهم للحقائقِ وتمييزَهم للباطل والنِّفاق والمداهنة، والمواقف تحدِّدها مصادرُ التلقِّي، وقبل ذلك وبعدَه الجدّ كلّ الجدِّ في الإخلاص ومحضِ النّصح وزكاءِ النفس وحبّ إخوانك.


يقال ذلك لِما يظهر في السّاحة من كتَبَة ومتحدِّثين لا ينتَمون للحوارِ المتعقِّل والطَّرح المتَّزن والمسلَك المعتدل والنقاش المنصف، بل تطغى في كتاباتهم وتحليلاتهم وحواراتهم الانتهازيَّة، وفي بعضِ مناقشاتهم وتحليلاتهم اقتياتًا على الأحداث وعَيشاً على الكوارثِ واستحلابًا للأزَمات، لا يناقشون المشكلةَ من جذورها، ولا يتعاملون مع الجهةِ المسؤولة عنها من أجلِ الإسهام في حلِّها، وإذا نزلت نازلةٌ أو حلَّت واقعة تنافسَ بعض الكتَّاب والمحلِّلين والإخباريِّين لا للإسهام في حلِّ الكارثة أو الخروجِ من الأزمة، بل لتفريقِ الأفكارِ وسَلبِ المجتمع أغلى ما يملك، إمّا في دينِه أو في عفَّتِه وحِشمته أو في تعليمِه وتربيّته، في تصفيةِ حساباتٍ فكريّة أو مواقفَ شخصيّة.

إنّ من المتعيِّن في كلّ قضيَّةٍ تطرَح أو مشكلة تناقَش أو نازلةٍ تحلّ أن توزَن بميزانِ الأدلة الشرعيّة، وميزانِ المصلحةِ العليا ومراعاة المصالح والمفاسدِ، مع إخلاصِ النيةِ والتجرُّد، في أجواء من المحبّة والمودّة وتحرِّي الحقِّ وإحسان الظنِّ، من غير خضوعٍ لضغوطٍ خارجية أو لفكرٍ غير مسلِم أو غير سليم، والعِصمةُ ليست مدَّعاةً لأحَد، فكلّ ابنِ آدم خطّاء، ولكنَّ المتعيِّن سلوكُ نهج الاعتدال والقصد في كلمةٍ سواء مع الابتعادِ عن التحريض والدَّس، فليس النقدُ ولا الإصلاح بالهمز واللَّمز، ولكنه ذاك الذي يستهدف الإصلاحَ والتقويم، ويقوِّي عُرى المجتمع، ويثبِّت وحدتَه، ولا يوهن عُراه.

أ. بشير القنيدي

 

1 تعليق

  • Abbie 28 تموز/يوليو 2017

    I'd like to thank you for the efforts you have put in penning this website.
    I am hoping to check out the same high-grade blog
    posts by you in the future as well. In truth, your creative writing abilities has motivated me to get my own site now ;)

رأيك في الموضوع