Arabic English French German Italian Spanish

لا إعلام من غير مشروع سياسي

تخضع الحالة الليبية لتغيير مستمر، ولا يمكن حصره في التطورات الدراماتيكية التي طرأت على المشهد السياسي، بل لابد من إدراك أن تغييرا سيطرأ على الإعلام في المرحلة المقبلة بعد أن كان دوره الرئيس متعلقا بالاستقطاب السياسي فقط.


لقد ظهر بشكل لافت عجز الإعلام -الذي ما زال يحبو بعد الثورة - عن فهم ما يحصل في المشهد الليبي بشكل عام، فبالرغم من أن إرهاصات التغيير كانت واضحة، إلا أنه وقف مشدوها غارقا في التفاصيل، فلم يتمكن من استقصاء، ومقاربة الواقع فضلا عن عدم مقدرته على استشراف المستقبل، ربما بسبب طبيعته المتسارعة، أو اعتماده على نقل الآراء بالجملة أكثر من استخدامه للمعلومات.


أضحت الوسائل الإعلامية في ظل تلك التحولات إما أبواقا تدعو إلى عودة الدولة الأمنية والعسكرية (العلمانية) وهي الأعلى صوتا، أو اجتهادات تخبط خبط عشواء، وتدافع عن التغيير برؤيتين مختلفين اتسمت الأولى بسياسة ردود الفعل على تلك الأبواق العلمانية، وأما الثانية فقد قامت سياساتها على تبني مفهوم الحياد في سبيل الوصول إلى عرض وجهات نظر أطراف الصراع بشكل طوباوي يتوهم استقرار المشهد وثباته سياسيا واجتماعيا وقانونيا.


من المعلوم أن التضليل الإعلامي والكذب وقلب الحقائق لا يمكن أن يستمر لوقت طويل، ففي ليبيا تعثر مشروع إعادة بناء الدولة الأمنية (العلمانية)، ولا يزال الفشل السمة الأبرز لمحاولات استنساخ المشهد المصري؛ ذلك أن القوى المعارضة لعودة الاستبداد قوى مسلحة واستفادت من التجربتين المصرية والتونسية أيما استفادة، لكنها بالمقابل لم تنجز مشروعا للدولة حتى هذه اللحظة.


وإذا ما استمر إعلام الجيش والأمن على النهج نفسه من خداع الناس وحربه المعلنة و المستترة على الإسلام تحت دعوى (الإرهاب أو الإسلاميين) ، فإنه سيحكم على نفسه بالفشل الذريع مع مرور الوقت، وستوجه للقائمين عليه ضربات قوية، فالتغيير الذي سيطرأ على المنطقة آت لا محالة بسبب (فشل الدولة الأمنية، ومستوى التعليم، والبطالة)، وعاجلا غير آجل سيكتشف الناس أن الإعلام كان يصنع أوزانا غير حقيقية للقضايا والشخصيات التي يقدمها، فالاعتماد على تقييم الواقع من خلال الإعلام هو أشبه بمشاهدة فيلم سينمائي قوي الإخراج تنتهي حالة الإبهار والتأثير عند إسدال قائمة الممثلين والكادر الفني.


من المهم جدا إدراك أن الإعلام ليس حالة مستقلة عن المشاريع السياسية، بل هو مرتبط أيضا بخلفيتها الفكرية، وصلته وثيقة بمسألة هوية الدولة، فالإعلام أداة للتعبير عن الهوية ، هذه هي الخلاصة التي جاءت بعد تقييمي لتجربة حظيت بها في تأسيس مشروع إعلامي مع مختصين في هذا المجال منتصف عام 2012م.


لم تكن مؤسستنا الإعلامية التي قامت على أسس علمية ومعيارية داعمة لأي مشروع سياسي، والتزمت فيما يتعلق بالقيم المؤسسية مفهوم الحياد في العمل الصحفي وقدمته على كل القيم الأخرى مع الالتزام بالأسس الموضوعية والمعايير في تناولها لوجهات نظر ومواقف الأطراف المتباينة والمختلفة في المشهد الليبي .


ما إن بدأت عملية الكرامة في منتصف مايو من العام المنصرم حتى تعاملت معها أدوات المشروع الإعلامية كطرف من الأطراف المتباينة في الحالة الليبية، على الرغم من أن حفتر رمى بكل مخرجات ثورة فبراير عرض الحائط ودعا إلى تجميد الإعلان الدستوري.


واستمرت أدواتنا الإعلامية (الموقع الإلكتروني ، الإذاعة المسموعة) في النقل عن قادة الكرامة وبشكل دوري لمعظم تصريحاتهم التي جاءت في أغلبها مضللة وكاذبة، وفي إطار (الحرب الإعلامية)، لكن لم يشفع كل ذلك عند من سمى نفسه بـ(الجيش الليبي)، فتم إيقاف بث راديو أجواء في المدن التي تسيطر عليها قوات الكرامة(المرج ، البيضاء ، طبرق) وانتهى الأمر بالهجوم على المقر الرئيسي لمؤسسة العين للصحافة والإعلام والدراسات ونهب محتوياته بتسهيل من أحد إعلاميي المؤسسة الداعم لتيار الكرامة.


لنطوي تلك التجربة إلى حين، ونعود بالحديث إلى مستقبل الإعلام، إذ ليس من باب التنبؤ القول إنه سيتعذر ظهور مشروع إعلامي متكامل الأركان يدعم تأسيس الدولة الجديد، ويمارس دوره كسلطة رابعة ويقدم (الإخبار والتثقيف والإمتاع) مالم تتبلور فكرة مشروع سياسي واضح وجديد للدولة يستوعب اختلافات المجتمع وتناقضاته ويقوم على أساس الهوية التي يجب أن تتبلور بشكل واضح يوحد الناس من غير تكلف.


صفوة القول : أختم بكلمات للفيلسوف "طه عبدالرحمن" : (إن الحياد متعذر في الشأن الإنساني، باعتبار أن الإنسان لايمكن أن يتجرد من ذاته "المفكرة" للدخول على الموضوع "المفكر فيه"، فليس عيبا أن يتحيز الإنسان، وإنما المهم أن يكون تحيزه مؤطرا بمنهاج واضح بحيث تكون معالجة "المفكر فيه" في ضوء آليات معرفية جلية قابلة للنقاش والتدوال بالخصوص).

 

أنس الفيتوري

11 آذار 2015 1 تعليق
(0 أصوات)
لا إعلام من غير مشروع سياسي

تخضع الحالة الليبية لتغيير مستمر، ولا يمكن حصره في التطورات الدراماتيكية التي طرأت على المشهد السياسي، بل لابد من إدراك أن تغييرا سيطرأ على الإعلام في المرحلة المقبلة بعد أن كان دوره الرئيس متعلقا بالاستقطاب السياسي فقط.


لقد ظهر بشكل لافت عجز الإعلام -الذي ما زال يحبو بعد الثورة - عن فهم ما يحصل في المشهد الليبي بشكل عام، فبالرغم من أن إرهاصات التغيير كانت واضحة، إلا أنه وقف مشدوها غارقا في التفاصيل، فلم يتمكن من استقصاء، ومقاربة الواقع فضلا عن عدم مقدرته على استشراف المستقبل، ربما بسبب طبيعته المتسارعة، أو اعتماده على نقل الآراء بالجملة أكثر من استخدامه للمعلومات.


أضحت الوسائل الإعلامية في ظل تلك التحولات إما أبواقا تدعو إلى عودة الدولة الأمنية والعسكرية (العلمانية) وهي الأعلى صوتا، أو اجتهادات تخبط خبط عشواء، وتدافع عن التغيير برؤيتين مختلفين اتسمت الأولى بسياسة ردود الفعل على تلك الأبواق العلمانية، وأما الثانية فقد قامت سياساتها على تبني مفهوم الحياد في سبيل الوصول إلى عرض وجهات نظر أطراف الصراع بشكل طوباوي يتوهم استقرار المشهد وثباته سياسيا واجتماعيا وقانونيا.


من المعلوم أن التضليل الإعلامي والكذب وقلب الحقائق لا يمكن أن يستمر لوقت طويل، ففي ليبيا تعثر مشروع إعادة بناء الدولة الأمنية (العلمانية)، ولا يزال الفشل السمة الأبرز لمحاولات استنساخ المشهد المصري؛ ذلك أن القوى المعارضة لعودة الاستبداد قوى مسلحة واستفادت من التجربتين المصرية والتونسية أيما استفادة، لكنها بالمقابل لم تنجز مشروعا للدولة حتى هذه اللحظة.


وإذا ما استمر إعلام الجيش والأمن على النهج نفسه من خداع الناس وحربه المعلنة و المستترة على الإسلام تحت دعوى (الإرهاب أو الإسلاميين) ، فإنه سيحكم على نفسه بالفشل الذريع مع مرور الوقت، وستوجه للقائمين عليه ضربات قوية، فالتغيير الذي سيطرأ على المنطقة آت لا محالة بسبب (فشل الدولة الأمنية، ومستوى التعليم، والبطالة)، وعاجلا غير آجل سيكتشف الناس أن الإعلام كان يصنع أوزانا غير حقيقية للقضايا والشخصيات التي يقدمها، فالاعتماد على تقييم الواقع من خلال الإعلام هو أشبه بمشاهدة فيلم سينمائي قوي الإخراج تنتهي حالة الإبهار والتأثير عند إسدال قائمة الممثلين والكادر الفني.


من المهم جدا إدراك أن الإعلام ليس حالة مستقلة عن المشاريع السياسية، بل هو مرتبط أيضا بخلفيتها الفكرية، وصلته وثيقة بمسألة هوية الدولة، فالإعلام أداة للتعبير عن الهوية ، هذه هي الخلاصة التي جاءت بعد تقييمي لتجربة حظيت بها في تأسيس مشروع إعلامي مع مختصين في هذا المجال منتصف عام 2012م.


لم تكن مؤسستنا الإعلامية التي قامت على أسس علمية ومعيارية داعمة لأي مشروع سياسي، والتزمت فيما يتعلق بالقيم المؤسسية مفهوم الحياد في العمل الصحفي وقدمته على كل القيم الأخرى مع الالتزام بالأسس الموضوعية والمعايير في تناولها لوجهات نظر ومواقف الأطراف المتباينة والمختلفة في المشهد الليبي .


ما إن بدأت عملية الكرامة في منتصف مايو من العام المنصرم حتى تعاملت معها أدوات المشروع الإعلامية كطرف من الأطراف المتباينة في الحالة الليبية، على الرغم من أن حفتر رمى بكل مخرجات ثورة فبراير عرض الحائط ودعا إلى تجميد الإعلان الدستوري.


واستمرت أدواتنا الإعلامية (الموقع الإلكتروني ، الإذاعة المسموعة) في النقل عن قادة الكرامة وبشكل دوري لمعظم تصريحاتهم التي جاءت في أغلبها مضللة وكاذبة، وفي إطار (الحرب الإعلامية)، لكن لم يشفع كل ذلك عند من سمى نفسه بـ(الجيش الليبي)، فتم إيقاف بث راديو أجواء في المدن التي تسيطر عليها قوات الكرامة(المرج ، البيضاء ، طبرق) وانتهى الأمر بالهجوم على المقر الرئيسي لمؤسسة العين للصحافة والإعلام والدراسات ونهب محتوياته بتسهيل من أحد إعلاميي المؤسسة الداعم لتيار الكرامة.


لنطوي تلك التجربة إلى حين، ونعود بالحديث إلى مستقبل الإعلام، إذ ليس من باب التنبؤ القول إنه سيتعذر ظهور مشروع إعلامي متكامل الأركان يدعم تأسيس الدولة الجديد، ويمارس دوره كسلطة رابعة ويقدم (الإخبار والتثقيف والإمتاع) مالم تتبلور فكرة مشروع سياسي واضح وجديد للدولة يستوعب اختلافات المجتمع وتناقضاته ويقوم على أساس الهوية التي يجب أن تتبلور بشكل واضح يوحد الناس من غير تكلف.


صفوة القول : أختم بكلمات للفيلسوف "طه عبدالرحمن" : (إن الحياد متعذر في الشأن الإنساني، باعتبار أن الإنسان لايمكن أن يتجرد من ذاته "المفكرة" للدخول على الموضوع "المفكر فيه"، فليس عيبا أن يتحيز الإنسان، وإنما المهم أن يكون تحيزه مؤطرا بمنهاج واضح بحيث تكون معالجة "المفكر فيه" في ضوء آليات معرفية جلية قابلة للنقاش والتدوال بالخصوص).

 

أنس الفيتوري

1 تعليق

  • Dorthy 28 تموز/يوليو 2017

    If some one wants to be updated with most up-to-date technologies then he
    must be pay a quick visit this website and be up to date every day.

رأيك في الموضوع