Arabic English French German Italian Spanish

كيف أدين من يقاتل عدوي؟

ازدواجية المعايير، التي يشير العنوان إلى منطقها، لم يسلم منها أحد، فالكل وقع في الترحيب ببطش العدو بالعدو، فأصبحنا كتلاً متقاتلة من الأعداء. كيف إذاً؛ نلوم من يرفض إدانة عدوي طالما أنه يقاتل عدوه؟.

في أول اختبار عسير تعرض له المؤتمر الوطني العام والحكومة التابعة له؛ كان يوم تعرضت القنصلية الأمريكية بمدينة بنغازي إلى هجوم أدى إلى مقتل أربعة أميريكيين من بينهم السفير كريس ستيفنز، وذلك يوم الثلاثاء الحادي عشر من شهر سبتمبر 2012م.

تعهدت أمريكا بالعمل مع ليبيا لتقديم الجناة الذين قتلوا السفير الأمريكي ودبلوماسيين آخرين في ليبيا إلى العدالة.

وكما تلكأت السلطات الليبية في تقديم المتهمين بقتل اللواء عبدالفتاح يونس للعدالة تلكأت أيضاً في تقديم المتهمين الذين قتلوا السفير الأمريكي للعدالة أيضاً. أعلن اللواء المتقاعد خليفة حفتر قيادته لعملية الكرامة وتبنيه لمحاربة الإرهاب وقدم نفسه لليبيا وللعالم بأنه الجدير بمحاربة الإرهاب.

كل من لديه أدنى إلمام بالواقع الليبي يعلم أن شخصية اللواء المتقاعد حفتر لا تتمتع بالقبول لدى معظم الثوار ولا العسكريين الموالين لتيار الثورة.

فلا ندري حتى يومنا هذا هل كان الهدف بالفعل محاربة الإرهاب؟ أو خلق حالة تسمح بتحقيق ما فشلت السلطات في تحقيقه؟. الواقع يتثبت أن عملية الكرامة لم تحقق هدفها المعلن، لكن العملية سمحت بأن يتم قتل أو اعتقال جل من كان له يد في قتل السفير الأمريكي ومرافقيه.

رفض الثوار عملية الكرامة، بالرغم مما تحمله من معاني لا يختلف عليها اثنان. تمحورالرفض في قيادتها وفي كونها تدار من خارج إطار مؤسسات الدولة.

هب الثوار يدافعون عن ثورتهم وشارك أيضاً في القتال ضد حفتر مجموعات على القائمة السوداء الأمريكية ومدانة في مجلس الأمن.

بسبب هذا المجموعات المطلوبة لأمريكا وعدم قدرة الحكومات المتعاقبة على تقديم قتلة السفير الأمريكي إلى العدالة؛ رفضت السفيرة الأمريكية ديبورا جونز إدانة اللواء المتقاعد خليفة حفتر وقالت: “لا يمكنني إدانة حفتر” بحجة أنه يستهدف مجموعات إرهابية.

خلق حفتر بحربه على الثورة فضائات تمدد فيها الإرهاب وانقسمت مؤسسات الدولة الهشة أصلاً لتحارب بعضها البعض، وتنشغل بحشد الإمكانيات لمواجهة الآخر.

حالة الاستقطاب وآلة الحرب العسكرية والإعلامية والدبلوماسية كلها جندت لمحاربة العدو كما يحبذ كل طرف أن يسمي خصمه.

اصطف في كل جانب من ليس منه، عملاً بالقاعدة التي سنتها السيدة جونز “كيف لي أن أدين من يقاتل عدوي؟” وأصبحت ليبيا دولة جاذبة للمجموعات الإرهابية الأجنبية، مستغلة انشغال قطبي الدولة بالحرب البينية، وتقمص الخصم الثالث فزاعة الإرهاب ولبس ثوبها ليقتص من أحد الخصمين.

قامت أيادي الغدر بتفجيرات القبة وفندق كورنثيا وفندق السلام والعديد من البوابات وقتل الناشطين والعلماء والمشايخ وغيرها من الأعمال الإرهابية.

كلما وقع الإثخان في العدو كانت المواقف باهتة من الطرف الآخر ولم تمت للمبادئ بصلة. كما أن عمليات تنظيم الدولة في القبة وطبرق والبيضاء لم تقابل بالإدانة، بالقدر الكافي من السلطات في الغرب الليبي، لم تقابل أيضاً تفجيرات هذا التنظيم في مصراتة وطرابلس بالإدانة، بالقدر الكافي من السلطات في الشرق الليبي.

مهما كانت المطالب فيجب أن تتم بطرق سلمية، طالما أنها متاحة. وفقاً للمبادئ التي نؤمن بها، يجب عدم التأخر في إدانة الفعل المُجرم والعمل الإرهابي بغض النظر عن انتماء ومواقف الضحية.

إن السكوت الذي يخيم في معسكر أنصار مجلس نواب طبرق، وامتناعهم عن شجب وإذانة مقتل المشايخ والعلماء ومحفظي القرآن وصمة عار على الجبين.

تتحرك عواطفهم على مقتل ليبي وتخرص الألسن عند مقتل آخر. ما حدث في بنغازي مؤخراً جريمة، ولكن السكوت عنها جريمة أكبر. لا أتحدث عما حدث بين الليبيين من قتال وصرع، ومحاولات انقلابية والتصدي لها، والبغي ورد البغاة، ولكن عن القتل بدم بارد والتصفية الجسدية السياسية، والتحريض عليها، خارج نطاق الحرب والدين والقانون، وكل ذلك في ميزان حفتر.

لقد كان حصاد حفتر مراً، وسيكتب التاريخ هذه الصفحات السوداء ويحكم عليها، هزائم في ساحات القتال والأخلاق.

لا شك أن حفتر أعلن شرارة الحرب في 14 فبراير 2014م وسقط على إثر هذا الإعلان المئات من خيرة شباب ليبيا، ويُعد المسؤول الأول عن هتك النسيج الاجتماعي ووضع ليبيا على مشارف التقسيم والانهيار السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

لا ينصرف اللوم إلى من انضم إليه ولا إلى من ناصره أو منحه الحاضنة بقدر ما ينصرف إلى الدول التي مولته، وشاركته في نزيف الدماء الليبية، انطلاقاً من مصالحها الضيقة.

حفتر أدى دوره ولم يسترد كرامة الجيش المسلوبة، ومن أراد أن يخرب الحوار ويرتدي زيه الإنفصالي من جديد، فليتحمل مسؤوليته التاريخية، فيكون شريكه في الجريمة؛ حصد الأنفس، دمر بنغازي وعدداً من المدن، أدخل البلاد في صراع بين الأشقاء، من أجل استنساخ حلم الجنرال الجار، بل سار على نهجه حذو القذة بالقذة. حتماً لا يجب أن يكون لأمثاله دور.

ولعل في مقبل الأيام تستيقظ الضمائر في الشرق الحبيب وتتخلى عمن كان مسؤولاً عن هذا الحصاد المر.

07 أيلول 2015 0 comment
(1 تصويت)
كيف أدين من يقاتل عدوي؟

ازدواجية المعايير، التي يشير العنوان إلى منطقها، لم يسلم منها أحد، فالكل وقع في الترحيب ببطش العدو بالعدو، فأصبحنا كتلاً متقاتلة من الأعداء. كيف إذاً؛ نلوم من يرفض إدانة عدوي طالما أنه يقاتل عدوه؟.

في أول اختبار عسير تعرض له المؤتمر الوطني العام والحكومة التابعة له؛ كان يوم تعرضت القنصلية الأمريكية بمدينة بنغازي إلى هجوم أدى إلى مقتل أربعة أميريكيين من بينهم السفير كريس ستيفنز، وذلك يوم الثلاثاء الحادي عشر من شهر سبتمبر 2012م.

تعهدت أمريكا بالعمل مع ليبيا لتقديم الجناة الذين قتلوا السفير الأمريكي ودبلوماسيين آخرين في ليبيا إلى العدالة.

وكما تلكأت السلطات الليبية في تقديم المتهمين بقتل اللواء عبدالفتاح يونس للعدالة تلكأت أيضاً في تقديم المتهمين الذين قتلوا السفير الأمريكي للعدالة أيضاً. أعلن اللواء المتقاعد خليفة حفتر قيادته لعملية الكرامة وتبنيه لمحاربة الإرهاب وقدم نفسه لليبيا وللعالم بأنه الجدير بمحاربة الإرهاب.

كل من لديه أدنى إلمام بالواقع الليبي يعلم أن شخصية اللواء المتقاعد حفتر لا تتمتع بالقبول لدى معظم الثوار ولا العسكريين الموالين لتيار الثورة.

فلا ندري حتى يومنا هذا هل كان الهدف بالفعل محاربة الإرهاب؟ أو خلق حالة تسمح بتحقيق ما فشلت السلطات في تحقيقه؟. الواقع يتثبت أن عملية الكرامة لم تحقق هدفها المعلن، لكن العملية سمحت بأن يتم قتل أو اعتقال جل من كان له يد في قتل السفير الأمريكي ومرافقيه.

رفض الثوار عملية الكرامة، بالرغم مما تحمله من معاني لا يختلف عليها اثنان. تمحورالرفض في قيادتها وفي كونها تدار من خارج إطار مؤسسات الدولة.

هب الثوار يدافعون عن ثورتهم وشارك أيضاً في القتال ضد حفتر مجموعات على القائمة السوداء الأمريكية ومدانة في مجلس الأمن.

بسبب هذا المجموعات المطلوبة لأمريكا وعدم قدرة الحكومات المتعاقبة على تقديم قتلة السفير الأمريكي إلى العدالة؛ رفضت السفيرة الأمريكية ديبورا جونز إدانة اللواء المتقاعد خليفة حفتر وقالت: “لا يمكنني إدانة حفتر” بحجة أنه يستهدف مجموعات إرهابية.

خلق حفتر بحربه على الثورة فضائات تمدد فيها الإرهاب وانقسمت مؤسسات الدولة الهشة أصلاً لتحارب بعضها البعض، وتنشغل بحشد الإمكانيات لمواجهة الآخر.

حالة الاستقطاب وآلة الحرب العسكرية والإعلامية والدبلوماسية كلها جندت لمحاربة العدو كما يحبذ كل طرف أن يسمي خصمه.

اصطف في كل جانب من ليس منه، عملاً بالقاعدة التي سنتها السيدة جونز “كيف لي أن أدين من يقاتل عدوي؟” وأصبحت ليبيا دولة جاذبة للمجموعات الإرهابية الأجنبية، مستغلة انشغال قطبي الدولة بالحرب البينية، وتقمص الخصم الثالث فزاعة الإرهاب ولبس ثوبها ليقتص من أحد الخصمين.

قامت أيادي الغدر بتفجيرات القبة وفندق كورنثيا وفندق السلام والعديد من البوابات وقتل الناشطين والعلماء والمشايخ وغيرها من الأعمال الإرهابية.

كلما وقع الإثخان في العدو كانت المواقف باهتة من الطرف الآخر ولم تمت للمبادئ بصلة. كما أن عمليات تنظيم الدولة في القبة وطبرق والبيضاء لم تقابل بالإدانة، بالقدر الكافي من السلطات في الغرب الليبي، لم تقابل أيضاً تفجيرات هذا التنظيم في مصراتة وطرابلس بالإدانة، بالقدر الكافي من السلطات في الشرق الليبي.

مهما كانت المطالب فيجب أن تتم بطرق سلمية، طالما أنها متاحة. وفقاً للمبادئ التي نؤمن بها، يجب عدم التأخر في إدانة الفعل المُجرم والعمل الإرهابي بغض النظر عن انتماء ومواقف الضحية.

إن السكوت الذي يخيم في معسكر أنصار مجلس نواب طبرق، وامتناعهم عن شجب وإذانة مقتل المشايخ والعلماء ومحفظي القرآن وصمة عار على الجبين.

تتحرك عواطفهم على مقتل ليبي وتخرص الألسن عند مقتل آخر. ما حدث في بنغازي مؤخراً جريمة، ولكن السكوت عنها جريمة أكبر. لا أتحدث عما حدث بين الليبيين من قتال وصرع، ومحاولات انقلابية والتصدي لها، والبغي ورد البغاة، ولكن عن القتل بدم بارد والتصفية الجسدية السياسية، والتحريض عليها، خارج نطاق الحرب والدين والقانون، وكل ذلك في ميزان حفتر.

لقد كان حصاد حفتر مراً، وسيكتب التاريخ هذه الصفحات السوداء ويحكم عليها، هزائم في ساحات القتال والأخلاق.

لا شك أن حفتر أعلن شرارة الحرب في 14 فبراير 2014م وسقط على إثر هذا الإعلان المئات من خيرة شباب ليبيا، ويُعد المسؤول الأول عن هتك النسيج الاجتماعي ووضع ليبيا على مشارف التقسيم والانهيار السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

لا ينصرف اللوم إلى من انضم إليه ولا إلى من ناصره أو منحه الحاضنة بقدر ما ينصرف إلى الدول التي مولته، وشاركته في نزيف الدماء الليبية، انطلاقاً من مصالحها الضيقة.

حفتر أدى دوره ولم يسترد كرامة الجيش المسلوبة، ومن أراد أن يخرب الحوار ويرتدي زيه الإنفصالي من جديد، فليتحمل مسؤوليته التاريخية، فيكون شريكه في الجريمة؛ حصد الأنفس، دمر بنغازي وعدداً من المدن، أدخل البلاد في صراع بين الأشقاء، من أجل استنساخ حلم الجنرال الجار، بل سار على نهجه حذو القذة بالقذة. حتماً لا يجب أن يكون لأمثاله دور.

ولعل في مقبل الأيام تستيقظ الضمائر في الشرق الحبيب وتتخلى عمن كان مسؤولاً عن هذا الحصاد المر.

رأيك في الموضوع