skip to Main Content

أكتب هذا المقال قبل يوم من انعقاد المؤتمر العام الاستثنائي لحزب العدالة والبناء، والذي سيفرز قيادة جديدة على كامل المستويات القيادية التي سيتم انتخابها في أجواء ديمقراطية على مدى ثلاثة أيام متوالية، حيث سيكون للحزب رئيس جديد تقع عليه مسؤوليات حساسة لقيادة هذه السفينة العملاقة، بالإضافة لانتخاب هيئة عليا جديدة تمثل التنوع الجغرافي والمناطقي لفروع الحزب المنتشرة على كامل التراب الليبي.

تمثل تجربة حزب العدالة والبناء تفرداً عملياً من حيث المشاركة السياسية في تاريخ ليبيا ما بعد ثورة السابع عشر من فبراير، فلقد تصدر الحزب مؤسسات العمل الحزبي في ليبيا منذ انطلاقته في الثالث من مارس لسنة 2012م، وكان أبرز دور له هو تمثيله بكتلة برلمانية محترمة قدمت الكثير في أول تجربة برلمانية حديثة ب19 مقعداً فاز بها الحزب في ذلك المحفل، وما أن بدأت الكتلة أعمالها حتى تضاعف عددها لتضم أعضاءاً أخرين من المؤتمر الوطني العام تبنوا رؤية الحزب البرلمانية، لتنتج هذه الكتلة سن العديد من القوانين التي أثرت بشكل ايجابي على عديد المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها.

إن تفرد التجربة الحزبية للعدالة والبناء تمثلت أساساً في استراتيجية التواجد الدائم التي اتخذتها قيادة الحزب السياسية لتسير عليها كمنوال وطريق واحد لا حياد عنه، فلم يتراجع الحزب عن التصريح بمواقفه تجاه جميع القضايا والملفات ليترجم أرائه حولها عبر أكثر من 200 بيان سياسي صدر عنه منذ تأسيسه إلى الآن، بالإضافة إلى التصريحات الإعلامية لقياداته المخولين بالحديث عن حاله وباسمه، ومؤتمرات صحفية فصَل فيها مواقفه أكثر ، وقد شملت هذه البيانات والتصريحات كافة الملفات والقضايا المختلفة كان من أهمها الوقوف بحزم بجانب خيار الشعب الليبي إبان ثورة السابع عشر من فبراير ألا وهو مدنية الدولة بنظام ديمقراطي قويم وقيادة سياسية راشدة وآلية تحتكم إلى صناديق الاقتراع للتداول السلمي على السلطة عبر تعددية حزبية وسياسية تحترم مشاركة الجميع في النشاط السياسي، وكان من بين القضايا أيضاً ما عبر عنه الحزب في بياناته ومواقفه تجاه المسار الدستوري فتبنى الدعاية للدستور وأكد على أسبقيته لأي استحقاقات مستقبلية، وكذلك موقفه تجاه قضايا الإرهاب الأسود والتطرف الديني و دعمه لحقوق المواطنة والتعبير ورفض انتهاكات حقوق الإنسان وغيرها.

إن استراتيجية التواجد الدائم التي تبناها الحزب جعلته حاضراً بقوة في كافة المنعطفات المفصلية التي واجهت قيام الدولة المدنية في ليبيا ولا تزال، فكان في كل محطة من المحطات العامل المشترك بين جميع الفواعل والمؤثرين بالمشهد السياسي الليبي ، فكان الحزب حاضراً في جولات الحوار السياسي بل وصنع سياسة التوجه نحوها وبادر بالضغط لأجلها، فكانت غدامس وجنيف والصخيرات وروما ممثلاً لتياره مستنيراً بنقاشات صفه الداخلي الدائمة تجاه القضايا السياسية والمحطات التي توقف عندها قطار قيام الدولة المدنية والمنعطفات التي أثرت بشكل واضح على المسار السياسي بدءاً من انتخاب المؤتمر الوطني العام وانتخاب حكومة السيد علي زيدان وحراك لا للتمديد ولجنة فبراير، وواجه مع أنصار النظام الديمقراطي محاولات حفتر المتكررة للنيل من أمال الشعب الليبي عبر محاولاته الانقلابية وإشعاله لفتيل الحرب في أكثر من مناسبة في محاولة بائسة ويائسة لاسترداد زمن الديكتاتوريات البغيض وآخرها حربه على العاصمة في الرابع من ابريل حيث تلقى من مقاتلي الدولة المدنية ضربات موجعة قهقرته من حيث أتى.

كما كان للحزب مواقفه الثابتة في دعم الحكومات المتعاقبة ومدها عبر خبرائه ومختصيه بباقة من الأفكار والمشاريع التي ساندت العمل الفني لهذه الحكومات، ناهيك عن الدعم السياسي الذي لم يبخل به الحزب ليؤكد تكراراً دعمه لمؤسسات الدولة.

أما على صعيد الارتقاء بالعمل الحزبي كمؤسسة سياسية والتي تمثل أحد أركان النظام الديمقراطي السبعة ، حد أحد فكان للحزب دوره الخاص في الرفع من مستوى الوعي السياسي والفكري والحزبي لدى المواطن ، ولما يمثله سلامة هذا الوعي من أهمية كبيرة لتساعد الناس على بلورة أفكارهم تجاه القضايا السياسية والفكرية ، ودعم الفهم الصحيح للمعنى الحزبي في محاولة لإخراج بعض القناعات التي كانت تؤثر بشكل سلبي لدى عموم المواطنين عن العمل الحزبي والتي كانت من مخلفات مقولات ديكتاتور ليبيا السابق كقوله بأن التمثيل تدجيل وأن الحزبية إجهاض للديمقراطية .

لقد مضى الحزب خلال مسيرته بعناوين عريضة جعلها مساراً تسير عليه كل خطواته السياسية والتنفيذية ، منها صناعة تيار للوفاق يضم كل الحالمين بدولة ليبيا المنشودة ويؤسس لمرحلة منتظرة حيث الاستقرار والسكون استعداداً لمرحلة البناء والإعمار ، ومن بين الشعارات المرفوعة نبذ الاحتراب كأسلوب ونمط لأخذ المغانم والمكاسب وابتلاع مفهوم الدولة في إطار ضيق ، بل وجعل مفهومه مرتبطاً بالدمار واليأس .

وكان لكل ما سبق من ثوابت ومبادئ لم يحد عنها حزبنا ضرائب وجب دفعها بعضها مادي وآخر نفسي ، فخلال المسير تعرض الحزب لعديد المعوقات الضخمة التي وضعت للحد من ايجابيته ووطنيته وتواجده الدائم ، فكان اقتحام وحرق مقاره في أكثر من مرة ، وإقفال لفروعه وترهيب لأعضائه في أكثر من مدينة وبلدة ، ووصل الحد الأقصى لأنواع التضييق المستخدمة مع الحزب هي الاغتيال الجسدي لبعض قياداته وأعضائه فسقط في طريق عمله واقفاً شهداء تم النيل من عزيمتهم وإصرارهم نذكر منهم الشهيد حسن الدروعي والشهيد محمد بن عثمان والشهيد مفتاح بوالنافرة سائلين المولى أن يتغمدهم بعطف رحمته .

وكان أكبر تحدٍ يواجه هذه المؤسسة هي الشيطنة الإعلامية من قبل آلات وأدوات كثيرة تلفزيونية وإذاعية وصحفية وإخبارية وأخرى جعلت من السوشال ميديا منبراً لها تسلط كل أنواع الافتراءات والأكاذيب الباطلة التي غذت النفوس ضد مؤسستنا.

قد يظن القارئ لهذا المقال أن الحزب كان يسير وحيداً وسط كل هذه الظروف وأنه صاحب فضل على الجميع بنرجسية ما، وما يجب أن يعرفه القارئ أن للحزب استراتيجية أخرى اعتمدها للنجاح الذي حققه على الصعيد السياسي ألا وهي استراتيجية التواصل مع الجميع، حيث أن المؤسسة لم تستثني مؤسسة او فرداً أو مجموعة تشترك معها في التفكير في معاناة الوطن وهمومه عبر دعوتهم لمجموعة من الورش والندوات واللقاءات في كافة القضايا لتخرج بأفكار أكثر نضجاً وصلابة وأعمق فكراً وتمحيصاً.

فللحزب شركاء وطنيون دفعوا مثل ما دفع من ضرائب وكانوا يسيرون على خط واحد بآليات مختلفة والهدف مشترك، منهم أحزاب سياسية نكن لها ولدورها كل احترام ، ومؤسسات مدنية رافقت كل هذه المنعطفات بكل مسؤولية و وطنية وشخصيات بعينها آثرت إلا أن تشارك تيار الوفاق الذي قاده حزب العدالة والبناء وإن لم يكن لهذا التيار شكل رسمي، وإلى جانب الشركاء المحليين كان للحزب مساندون وأصدقاء من المحيطين الإقليمي والدولي فكان للحزب حظ وفير في تقارب ممتاز مع دول صديقة وشقيقة كالعلاقة بالدولة التركية ومكوناتها السياسية وعلى رأسها حزب العدالة والتنمية التركي وأيضاً تشاور وتنسيق على أعلى المستويات مع دولة قطر الشقيقة صاحبة اليد البيضاء في دعم ربيع العرب وثواره ، وكذلك التواصل مع المحيط المغاربي ممثلاً في أحزاب سياسية كبرى وشخصيات سياسية برلمانية وحكومية ، وأما على الصعيد الدولي فكانت العلاقات محترمة وكان الحزب يحظى بمعاملة سياسية رفيعة ويوضع رأيه محل احترام وتقدير ، واما على العلاقة بالبعثة الأممية فكان الحزب من الداعمين لدورها في رأب صدع الأزمة السياسية عبر تبنيه لخيار الحوار السياسي ، ولم تتراجع البعثة يوماً عن الاستفسار والاستيضاح عن رأي الحزب وموقفه من مختلف القضايا.

لقد عملت القيادة الحالية لحزب العدالة والبناء بكافة كوادرها وأعضاء حزبها على وضع المؤسسة في مقدمة المشهد السياسي مما جعل للحزب حضوة لم تسجل لأي حزب سياسي آخر، فكان من المؤثرين في الحالة السياسية الليبية وقد ارتقى هذا الدور ليصل لمرتبة الفاعلية السياسية، وشكلت عبر فسيفسائها خبرة تراكمية أعطت لمن سيخلف هذا الصرح في قيادته أثراً يفتخر به ويُحتذى وطريقاً مُناراً على جانبيه يسهل الحركة وسط تناقضات الحالة الليبية وتعقيداتها وكثرة متداخليها.

على القيادة الجديدة لحزب العدالة والبناء أن تعي جيداً خطورة ما يحاك لهذا الحزب من مؤامرات وزرع للأشواك في طريق سيره وأن تتحلى بروح الصلابة والحزم تجاه كل من يفكر في عرقلة استمرار هذه الانتاجية العالية لحزب سياسي أكد للجميع مهنيته العالية ووطنيته الغير مشكوك في صدقها، وأن تكون على مستوى عالٍ من آمال أعضاء الحزب وأنصاره في أن تستمر هذه الديناميكية السياسية مع الأحداث والتأثير فيها بل وتوجيهها في كثير من الأحيان، ولا بد من الإشارة أيضاً إلى ضرورة قراءة العثرات التي وقع فيها الحزب في بعض تفاصيل يومياته ، لتأخذ من جبل الانجازات وتبني عليه ، وتستفيد من العثرات لإصلاحها.

والله الموفق لكل يدٍ كان همها صلاح ليبيا ورفعة مواطنيها.

عبد المجيد عمر العويتي.  

Back To Top